Sign Up to Our Newsletter

Be the first to know the latest updates

[mc4wp_form id=195]
رأي

تسريبات المجلس التأديبي وأثرها على الوعي الجمعي المجتمعي والصحفي

الدكتور:ابراهيم نوحي

تعيد التسريبات المنسوبة لاجتماع تأديبي داخل المجلس الوطني للصحافة، كما تداولها الصحافي حميد المهداوي، طرح أسئلة تتجاوز حدود الواقعة نفسها لتلامس الجوهر العميق للعلاقة بين الإنسان والمؤسسات، وبين حرية التعبير والسلطة، وبين القانون وروح القانون. فالمشهد الذي وصل إلى الرأي العام، بصرف النظر عن تفاصيله الدقيقة، أثار إحساساً واسعاً بأن الكرامة – قبل النصوص والمسطرة – كانت الطرف الأكثر عرضة للانتهاك.

ومن هنا يبدأ النقاش الحقيقي: ليس من باب الانحياز أو الخصومة، بل من باب المسؤولية المواطنة وأخلاقيات الدولة الحديثة.فالدستور المغربي، منذ 2011، لم يُصغ بلغة تقنية محضة، بل بلغـة تُعلن أن الإنسان في قلب البناء الدستوري.

حين ينص الفصل 23 على عدم جواز المعاملة المهينة، وحين يؤكد الفصل 25 حرية الرأي والتعبير، وحين يقر الفصل 28 بحرية الصحافة وعدم خضوعها للرقابة القبلية، فإنه لا يتحدث عن امتيازات تمنح، بل عن حقوق غير قابلة للتقليص.

ومن هنا فإن أي مسطرة تأديبية تستهدف صحافياً يجب أن تُمارس في إطار من الحياد والاحترام والحق في الدفاع، لأن المسّ بالكرامة لا يصبح أقل وقعاً عندما يحدث داخل جدران مؤسسة رسمية.

القانون المنظم للمجلس الوطني للصحافة يمنحه صلاحيات تأديبية، لكنه في الوقت نفسه يقيّده بمبادئ الشرعية، والتناسب، وعدم التعسّف. غير أن ما أثارته التسريبات في الوعي العام هو سؤال أبعد من النص القانوني: هل الهدف من التأديب حماية أخلاقيات المهنة، أم إسكات الأصوات التي تُزعج؟ وهل يمكن لفضاء يُفترض أنه حامٍ للصحافيين أن يتحول إلى مصدر خوف لهم؟ هذه الأسئلة ليست تقنية، بل تمسّ ثقة المجتمع في جدوى وجود المجلس نفسه.

وفي مستوى أوسع، يُلزم الفصل 55 من الدستور المغرب باحترام ما صادق عليه من اتفاقيات دولية، وعلى رأسها العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وكلاهما ينص على حماية حرية التعبير والحق في محاكمة عادلة ومعاملة تحفظ الكرامة الإنسانية.

وهذا يعني أن أي إجراء يؤدي عملياً إلى “الإعدام المهني” أو “الإقصاء الرمزي” للصحافي، يدخل في تناقض مع التزامات المغرب الحقوقية، حتى لو تمت تغطيته بمظهر قانوني شكلي. فالمشروعية أوسع من النص، وأعمق من التبرير، وأكثر ارتباطاً بمعنى العدالة لا بصيغتها الإدارية.وراء كل قرار تأديبي توجد حياة بشرية لا تُختزل في ورقة أو ملف: أسر تتأثر، مسارات مهنية قد تُكسر، مواطنون يصبحون أكثر تردداً في التعبير، ومجتمع يفقد تدريجياً ثقته في المؤسسات.

لذلك يقول علم الاجتماع السياسي إن الطريقة التي تُمارس بها السلطة تكشف حقيقة النظام أكثر مما تكشفه القوانين المكتوبة. فإذا تحول التأديب إلى تصفية، والمسؤولية إلى هيمنة، والاختلاف إلى جرم، فإننا لا نكون أمام نقاش مهني، بل أمام تراجع بنيوي في الثقافة الديمقراطية.

إن الحاجة اليوم ليست إلى تبادل الاتهامات ولا إلى الانفعال، بل إلى مقاربة هادئة وحازمة في آن واحد: مراجعة آليات التأديب داخل المجلس، ضمان الحق في الدفاع دون تهديد أو احتقار، إرساء رقابة قضائية عملية على القرارات، وتحويل المؤسسات المهنية من فضاءات للردع إلى فضاءات للحماية.

فحرية الصحافة ليست مسألة تخص الصحافيين وحدهم، بل هي مقياس صحة المجتمع، ودليل على احترام الدولة لمواطنيها، وصمام أمان ضد التعسف.في النهاية، لا يتعلق الأمر بتسريب ولا بغرفة مغلقة، بل بالسؤال الأكبر: أي نموذج نريده لعلاقة السلطة بالكلمة؟

فإذا كانت الكلمة الحرة تُداس، فإن الكرامة تُداس معها. وإذا خاف الصحافي من التعبير، خاف المواطن من التفكير. وعند تلك النقطة بالذات، لا يختنق الفرد فقط، بل تختنق الأمة بأكملها.

أخبار تساوت

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AKHBARTASSAOUT @2023. All Rights Reserved.