Sign Up to Our Newsletter

Be the first to know the latest updates

[mc4wp_form id=195]
رأي

دعوة إلى الاعتدال: كيف أعادني الجوع إلى فطرة الإنسان٠

في عصر ازدحمت فيه الحياة بكل أشكال الوفرة، لم يعد الإنسان يعاني ندرة الطعام بقدر ما يعاني فائضه. فالتخمة اليوم لم تعد مرتبطة بالمائدة وحدها، بل امتدت إلى أنماط العيش كافة؛ استهلاك متواصل، وشهية مفتوحة لكل شيء، حتى غدا الامتلاء حالة يومية فقدت معناها الطبيعي.

وفي خضم هذا الإفراط، يبدو الإنسان الحديث أبعد ما يكون عن بساطة الفطرة التي عاش عليها أسلافه، حين كان الجوع جزء أصيلا من إيقاع الحياة، والطعام وسيلة لحفظ البقاء لا بابا دائما للترف والمتعة.

ولعل هذا المعنى العميق ما اختصره النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «ما ملأ ابنُ آدم وعاء شرا من بطنه، بحسبِ ابنِ آدم لقيمات يقمن صلبه…»، وهو حديثٌ لا يقدم توجيها صحيا فحسب، بل يرسم فلسفةً كاملة في الاعتدال، تقوم على التوازن بين حاجة الجسد ورغبات النفس.

ومن خلال تجربتي مع الصيام المتقطع، أدركت أن الجوع أقرب إلى طبيعة الإنسان من الشبع، وأن الجسد حين يمنح فرصة للعودة إلى إيقاعه الفطري، يستعيد شيئا من صفائه وتوازنه.

فالإنسان الأول لم يكن يجد طعامه بسهولة؛ كان يطارده وسط الطبيعة القاسية، يقطع المسافات الطويلة، ويبذل جهدا شاقا ليؤمن ما يسد به رمقه.

لذلك كان الجوع مألوفا في حياته أكثر من الامتلاء، وكان الطعام ضرورة تحفظ الحياة، لا رفاهيةً متاحة في كل حين….كما أن الطعام نفسه كان أقرب إلى طبيعته الأولى؛ بسيطًا، طازجا، خاليا من المصنعات والمنكهات التي أغرقت موائد العصر الحديث.

وحتى قبل اكتشاف النار والطهي، كان الإنسان يأكل مما تجود به الطبيعة مباشرة، في علاقة أكثر بساطة وانسجاما مع حاجاته الفعلية.غير أن العودة إلى الفطرة لا تعني الحرمان أو التقشف المبالغ فيه، بل تعني حسن الاختيار والاعتدال.

فالأهم ليس كثرة الطعام، وإنما توازنه؛ أن يحصل الإنسان على حاجته من البروتين بما يتناسب مع طبيعة جسده ونشاطه، وأن يعتمد على الدهون النافعة، ويخفف من السكريات والكربوهيدرات السريعة التي تربك توازن الجسم.

كما أن اختيار النشويات المعقدة بطيئة الهضم يساعد على استقرار مستوى السكر في الدم، ويجنب الجسم الارتفاعات الحادة التي قد تقود مع الوقت إلى مشكلات صحية، من أبرزها مقاومة الإنسولين.

لقد علمتني هذه التجربة أن كل ما اقترب من الفطرة كان أنفع للإنسان. فالطبيعة لا تقوم على الإفراط، بل على التوازن الدقيق؛ تعطي بقدر، وتحفظ الانسجام بين الكائنات والأشياء.

وحين يبتعد الإنسان عن هذا الميزان، ويغرق في فائض الرغبات والاستهلاك، يختلّ توازنه الجسدي والنفسي، حتى وإن ظن أنه يعيش في ذروة الرفاه.

لذلك، قد لا يكون الاعتدال حرمانا كما يتصوره البعض، بل استعادة هادئة لمعنى الاكتفاء، وعودة إلى تلك البساطة التي تحفظ للإنسان صحته، وخفته، وصفاءه الداخلي.

أخبار تساوت

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AKHBARTASSAOUT @2023. All Rights Reserved.