لم يعد السؤال: لماذا ارتفع ثمن اللحم؟بل أصبح السؤال الأعمق: كيف تحوّل اللحم من مكوّن أساسي في المائدة إلى رفاهٍ بعيد المنال؟
حكاية اللحم اليوم تُشبه إلى حدّ بعيد حكايات مواد أخرى أنهكها الغلاء، حتى صار المواطن يتأقلم قسرًا مع واقع جديد، يتبدّل فيه سقف التطلعات كلما ارتفعت الأسعار.
لم يعد الحديث عن استعادة الأثمان القديمة مطروحًا بجدية، بل صار أقصى الأمل أن يتوقف النزيف عند مستوى معيّن، ولو كان مرتفعًا في حد ذاته.يعلم الجميع أن جذور الأزمة لا تختزل في عامل واحد؛ فهناك كلفة الأعلاف التي تثقل كاهل الكسّاب، وتقلبات السوق، وتداخل الوسطاء، واختلالات منظومة التوزيع.
الفلاح الصغير، الذي يُفترض أن يكون حجر الزاوية في هذه المعادلة، يجد نفسه محاصرًا بين تكاليف إنتاج متصاعدة وقدرة شرائية متراجعة، فلا هو قادر على تحقيق هامش ربح يحفظ استمراريته، ولا المستهلك قادر على مجاراة الأسعار.ولو تتبعنا مسار الأثمان خلال السنوات الأخيرة، سنجد أنفسنا أمام منحنى صاعد لا يكاد يهدأ.
كل مرحلة كانت تُنسينا ما قبلها، وتجعلنا نُعيد تعريف “المعقول” في الأسعار.
ما كان يُعتبر غلاءً فاحشًا بالأمس، أصبح اليوم أمنية بعيدة، في مفارقة موجعة تعكس حجم التحول الذي عرفته القدرة الشرائية.ومع ذلك، يظل الأمل قائمًا في إيجاد توازن مفقود؛ توازن يمرّ عبر دعم حقيقي لسلسلة الإنتاج، خاصة في ما يتعلق بتوفير الأعلاف بأسعار معقولة، وتشجيع البدائل المحلية، وتقليص هوامش المضاربة، وإرساء قدر أكبر من الشفافية في مسالك التوزيع.
فالمشكل، في جوهره، ليس فقط في رقم الثمن الذي يدفعه المستهلك، بل في اختلال منظومة كاملة تحتاج إلى إعادة نظر، حتى لا يبقى اللحم عنوانًا لفجوة تتسع بين ما يتمناه المواطن وما يستطيع تحمّله.
إن ما يعيشه المغاربة اليوم ليس مجرد موجة غلاء عابرة، بل اختبار حقيقي لقدرة السياسات الاقتصادية على حماية التوازن الاجتماعي.
وبين واقع يزداد صعوبة وأمل لا ينطفئ، يبقى السؤال معلقًا: هل يمكن استعادة المعقول، أم أننا سنواصل التكيّف مع سقوف جديدة تُفرض علينا كل مرة؟