✍️ صالح رشيد
في ساعات الفجر الأولى، وقبل أن تستيقظ المدن بشكل كامل، تبدأ حركة دؤوبة على جنبات الطرق المؤدية إلى القرى والمداشر المغربية. إنها الهجرة اليومية المعاكسة لآلاف الأساتذة والأستاذات الذين يممّون شطر المدارس الابتدائية والإعداديات والثانويات الرابضة في أعماق العالم القروي. في خضم هذه الرحلة اليومية الشاقة، أو ما يُعرف في القاموس المغربي بـ “لانافيت ” (La Navette)، وُلدت ظاهرة سوسيو-اقتصادية فريدة تستحق التأمل والتحليل، يمكن أن نطلق عليها اسم “اقتصاد لانافيت التضامني”.
يشكل نساء ورجال التعليم الشريحة الأكبر من موظفي القطاع العام في المغرب، وهم عصب الحياة في المناطق النائية. غير أن المفارقة الصارخة تكمن في كون هذه الفئة، التي تُجبر بحكم التعيينات على قطع عشرات الكيلومترات يومياً، لا تتلقى أي تعويض مادي عن التنقل. هذا الفراغ المؤسساتي، مضافاً إليه معاناة الانتظار في المحطات الطرقية، ومزاجية وسائل النقل العمومي، والاكتظاظ في سيارات الأجرة الكبيرة، خلق حاجة ملحة لابتكار حلول بديلة تضمن كرامة الأستاذ وتخفف عنه وطأة الاستنزاف المادي والنفسي.
من رحم هذه المعاناة، برز “اقتصاد لانافيت التضامني” كشكل من أشكال التكافل الاجتماعي الراقي والبراغماتي في آن واحد. تتلخص فكرة هذا الاقتصاد في مبادرة أستاذ يمتلك سيارة خاصة بإشراك زملائه الذين لا يمتلكون سيارات في رحلته اليومية، مقابل مساهمة مادية متفق عليها تغطي جزءاً من تكاليف المحروقات وصيانة المركبة.
هذه الممارسة، التي تبدو في ظاهرها مجرد ترتيب لوجستي بسيط، تحمل في طياتها أبعاداً اقتصادية واجتماعية عميقة:
أولاً: ترشيد النفقات وتخفيف العبء المادي
بالنسبة لصاحب السيارة، يشكل التنقل اليومي الفردي إلى العالم القروي استنزافاً حقيقياً لراتبه الشهري، بين تكاليف الوقود المرتفعة وتآكل السيارة بسبب وعورة المسالك. مساهمة الزملاء تخفف عنه هذا العبء وتجعل امتلاك السيارة واستعمالها أمراً ممكناً ومستداماً. أما بالنسبة للأساتذة المرافقين، فإن هذه المساهمة غالباً ما تكون أقل أو مساوية لتكلفة النقل العمومي، لكنها تشتري لهم ما هو أثمن: الوقت، والراحة، والكرامة.
ثانياً: تحريك عجلة الاقتصاد الوطني
رغم غياب الدعم الرسمي للتنقل، فإن هذا التضامن يخلق دينامية اقتصادية غير مرئية. فبفضل نظام “المساهمة التضامنية”، يتشجع العديد من الأساتذة على اقتناء سيارات (غالباً عبر قروض بنكية)، مما ينعش سوق السيارات، وقطاع التأمينات، ومحطات الوقود، وورشات الصيانة الميكانيكية. إن الأساتذة، بفضل هذا التكتل، يضخون أموالاً مهمة في الدورة الاقتصادية المحلية والوطنية.
ثالثاً: الأثر النفسي والمهني
لا يقتصر “اقتصاد لانافيت” على تبادل المنافع المادية، بل يتجاوزها إلى خلق فضاء اجتماعي دافئ داخل مقصورة السيارة. تتحول الرحلة اليومية إلى جلسة تفريغ نفسي، ونقاش تربوي، وتبادل للهموم والأخبار. الأهم من ذلك، أن الأستاذ يصل إلى قسمه في الوقت المحدد، محتفظاً بطاقته البدنية والذهنية التي كان سيستنزفها في الركض وراء سيارات الأجرة، مما ينعكس إيجاباً على جودة عطائه داخل الفصل الدراسي.
رابعاً: البعد البيئي والتنظيمي
من منظور أشمل، يساهم هذا النمط من التنقل التشاركي (Carpooling) في تقليص عدد السيارات على الطرقات، مما يقلل من الازدحام المروري ويخفض من الانبعاثات الكربونية، فضلاً عن تخفيف الضغط المفرط على وسائل النقل العمومي المهترئة في كثير من الأحيان.
إن “اقتصاد لانافيت التضامني” ليس مجرد رد فعل ظرفي، بل هو تجسيد حي لقدرة المجتمع المغربي – وتحديداً أسرة التعليم – على ابتكار حلول تضامنية تسد ثغرات السياسات العامة. ورغم نبل هذه الظاهرة وجماليتها الاجتماعية، فإنها يجب ألا تحجب المطلب المشروع والملح المتمثل في إقرار “تعويض عن التنقل” ينصف هذه الفئة العريضة.
إلى أن يتحقق ذلك، ستظل سيارات الأساتذة، وهي تشق ضباب الصباح الباكر نحو القرى، رمزاً لاقتصاد تضامني صامت، يحمل بين عجلاته التكافل، وفي مقاعده صناع أجيال الغد.

