مع كل موسم انتخابات نعيش نفس الطقوس ونفس الأجواء، ونشعر أن الدنيا على كف عفريت، يبدأ الجميع بالتحشيد الحزبي وأدرعه النقابية والجمعوية، وتحرص كل جهة على الفوز لإفشال الجهة الأخرى، مستخدمين صنوفاً من العبارات والشعارات والهتافات، يتهيأ لهم أنهم لا يأتيهم الباطل من بين أيديهم ولا من خلفهم، وعند الإعلان عن النتائج يفر الفائزون ويتوارون على الأنظار وكأنهم أشباح، ويستاء من لم يحالفهم الحظ ويبكون بكاء شديداً وكأنهم لم يفوزوا ياليوم العظيم، ومن المفارقات العجيبة نسيان أن من فاز اليوم كان خاسراً بالأمس وأن الخاسر سيكون رابحاً غداً، هذا يحدث في كل أشكال ومسميات الإنتخابات، إذن لماذا هي الإنتخابات إذا لم تغير الأشخاص؟يُخَيَّلُ لبعض خدّاعي أوراق الإنتخابات أنهم حينما صعدوا إلى القمّة فهم لا ينزلون، بل مضطرون للبقاء مَهْما بلغت التضحيات، وعندما تُحقّق وتُدقّق لا تجدُ لهم قمّة، فقد شُبّه لهم واستقر في ظنهم تَوَهُّمٌ لا حقيقة له، فما تظنونه قمّة، إخوانكم في السفح بين مطرقة التهاب الأسعار وسندان الفقر المدقع، فانزلوا، شرط أن يكون هذا النزول ضامناً لإنقاذ من في السفح لا لأخذ ما تبقى لهم من نصيب وتركهم بين تلك الأنياب، فكثير منكم جعلوا من الفقراء والمساكين في هذا الوطن سُلّماً تسلّقوا به ورَموْهُ في القعر، ثم نظروا من بعد ذلك إليهم نظرة المنتقص المنتقد المتهاوي، الصعود ليس دائماً رفعة بل ربما تهوّر، وحين تكون القمة وهماً فهو جنون، فقد تسقطون كحبة تفاح نيوتن على رؤوسهم فيستيقظون من أحلامهم وتكون نجاة لغيرهم إن كانت هناك يقظة.
صعود خدّاعي أوراق الإنتخابات سرطان استنزف الفقراء ومَسّ العصب الحساس للجيوب وأدخل المحتاجين في معارك ضد الجوع، جنى من ورائه لصوص الوطن ومصّاصوا الدماء أموالاً لا تُعدّ ولا تُحصى، اللهم إلا قُطعاناً من خِراف الوهم وإبل الضلالة تأكل الفُتات مقابل السُّكات، لكن عندما يصحو هؤلاء الذين اعتلوا حتى شُبّهت لهم القمّة من سَكرتهم سينتابُهم ما ينتاب الحالم بعد الإستيقاظ، لكن الأسوأ من الذين صعدوا إلى القمّة أو الذين في السفح، هم الذين رسموا لأنفسهم مربع حياد لن تبرحه أقدامهم المشلولة واكتفوا بالتفرج.
نشاهد على كل مواقع التواصل كتابات وفيديوهات وكأن القيامة ستقوم، نحن نعاني من أمراض كثيرة ومنها النفسية المتنوعة، تبدأ من فهمنا الخاطيء لحمل الأمانة، والفهم الخاطيء كذلك للبعض بأن الله خلقهم وحدهم للقيام ببعض المهام ولم يخلق غيرهم، وأن الحياة حق لهم وحدهم ولأولادهم والباقي لا حق لهم، متى سنفهم أن هناك سنن للحياة وأن دوام الحال من المحال، وأن الناس متساوية في الحقوق والواجبات وأن الدنيا يومان، يوم لك ويوم عليك إذا جاز التعبير، نرفض التحايل على البسطاء وكل منا يريد أن يعيش كريماً إلى إن يلقى ربه.
✍️ إدريس زياد

