Sign Up to Our Newsletter

Be the first to know the latest updates

[mc4wp_form id=195]
أخبار وطنية مجتمع

أراضي “الجموع” تحت مجهر القانون: هل نجحت تجربة السنوات الخمس في قلعة السراغنة؟

بقلم: صالح رشيد

في قلب إقليم قلعة السراغنة، حيث تمتد الأراضي الفلاحية كشريان حياة لآلاف الأسر، لا تزال قضية الأراضي السلالية (أراضي الجموع) تشكل العصب الحساس للتنمية والاستقرار الاجتماعي. لم تكن القوانين الجديدة المنظمة لهذا القطاع مجرد نصوص جامدة، بل كانت بمثابة مشرط جراح يهدف لاستئصال عقود من العشوائية والنزاعات. واليوم، وبعد مرور خمس سنوات على دخول الترسانة القانونية الجديدة حيز التنفيذ، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل نجحنا في تحويل هذا الرصيد العقاري الضخم من عبء نزاعات إلى رافعة للتنمية؟

هذا التساؤل الجوهري كان المحرك الرئيسي للندوة الوطنية التي احتضنها قصر المؤتمرات بقلعة السراغنة يوم الخميس 29 يناير 2026، والتي جمعت تحت سقف واحد نخبة من القضاة، والباحثين، والمسؤولين الإداريين، في محاولة لتفكيك شفرة “التنظيم القانوني لأملاك الجماعات السلالية” ورصد حصيلة التجربة ميدانياً.

زلزال قانوني.. وهزات ارتدادية في الميدانلم يكن اختيار إقليم قلعة السراغنة اعتباطياً لاحتضان هذا النقاش الوطني، فالإقليم يعتبر مختبراً حقيقياً لتطبيق القوانين العقارية نظراً لشساعة الأراضي السلالية به وتعقيد بنيتها الاجتماعية. الندوة التي نظمتها عمالة الإقليم بشراكة مع مديرية الشؤون القروية بوزارة الداخلية، وكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، ومختبر الدراسات المدنية والعقارية بجامعة القاضي عياض، والمحكمة الابتدائية بقلعة السراغنة، جاءت لتضع الإصبع على الجرح.

في الجلسة الافتتاحية، التي سيرها الأستاذ الباحث سعيد عبد الرحمان بنخضرة، لم تكن الكلمات الرسمية مجرد بروتوكول، بل عكست وعياً عميقاً بحساسية المرحلة. فمداخلات كل من عامل الإقليم، ومدير الشؤون القروية، ورئيس المحكمة الابتدائية ووكيل الملك، أجمعت على أن “النص القانوني وحده لا يكفي”، بل إن التحدي الحقيقي يكمن في التنزيل السليم على أرض الواقع، حيث تصطدم المساطر الإدارية بالأعراف القبلية والمصالح المتشابكة.

حصيلة خمس سنوات: بين النص والواقع خلال الجلسة الأولى، قدم الدكتور مراد الفقير، رئيس مصلحة الأراضي الجماعية بعمالة الإقليم، تشريحاً دقيقاً لحصيلة خمس سنوات من التطبيق. الأرقام والمعطيات الميدانية تشير إلى تقدم ملحوظ في عمليات التحديد الإداري وتصفية النزاعات، لكنها تكشف في الوقت ذاته عن “مقاومة” خفية تظهر في شكل نزاعات قضائية معقدة.وفي هذا السياق، يرى خبراء القانون العقاري أن القوانين الجديدة (خاصة القانون 62.17) جاءت لتقطع مع منطق “الريع” وتؤسس لمنطق “الاستثمار”، لكن الانتقال من عقلية الانتفاع التقليدي إلى عقلية التثمين الاقتصادي لا يزال يواجه عقبات ثقافية وإجرائية. هذا ما أكده الدكتور أحمد المالكي في مداخلته حول “البناء بأراضي الجماعات السلالية”، حيث أشار إلى الهوة التي لا تزال قائمة بين صرامة النص القانوني وإكراهات الواقع المعيشي للساكنة.

القضاء.. صمام الأمان في مواجهة النزاعاتلا يمكن الحديث عن الأراضي السلالية دون التطرق للدور المحوري للقضاء. وقد خصصت الندوة حيزاً كبيراً لمناقشة الاجتهاد القضائي، حيث استعرض الدكتور حسن منصف، رئيس الغرفة العقارية بمحكمة النقض، توجهات أعلى هيئة قضائية في البلاد بخصوص نزاعات أراضي الجموع.

النقاشات أظهرت أن المحاكم أصبحت تلعب دوراً “تشريعياً” موازياً عبر سد الثغرات التي تظهر أثناء التطبيق. فمن الحماية الجنائية للأراضي التي تطرق إليها الدكتور نجيب كريم، نائب وكيل الملك، إلى إشكاليات الصفة الإجرائية التي ناقشها الدكتور سمير أيت أرجدال، يتضح أن القضاء بات هو الحصن الأخير لحماية هذا الرصيد العقاري من الترامي وسوء التدبير.

التمليك والاستثمار: بوابة المستقبللعل النقطة الأكثر إثارة للجدل والنقاش كانت مسألة “تمليك الأراضي السلالية الواقعة خارج دوائر الري”، والتي تناولها الدكتور عبد العزيز ادزني. هذا الورش الكبير يفتح الباب أمام ذوي الحقوق للحصول على ملكية خاصة، مما يسهل عليهم الولوج للقروض والاستثمار، لكنه يطرح تحديات قانونية هائلة تتعلق بالشروط والضمانات لمنع تفتيت الملكية العقارية.

كما أن دور نواب الجماعات السلالية، الذي كان دائماً محط شكاوى ونزاعات، خضع للتمحيص القانوني في مداخلة الدكتور مروان بوستة، الذي ناقش المنازعات المتعلقة باختيارهم وعزلهم. هذا التحول نحو “مأسسة” دور النائب يعتبر خطوة حاسمة لضمان الشفافية في تدبير شؤون الجماعة السلالية.

دعوة للتفكير: نحو مقاربة شموليةإن قراءة متأنية لمخرجات هذه الندوة الوطنية تقودنا إلى استنتاج جوهري: الحل القانوني، رغم أهميته القصوى، يظل قاصراً إذا لم يواكبه حل اقتصادي واجتماعي. إن تحويل أراضي الجموع إلى رافعة للتنمية المستدامة، كما أشار الدكتور محمد السعيد بنسلام، يتطلب أكثر من مجرد نصوص في الجريدة الرسمية.

إننا اليوم أمام مفترق طرق؛ فإما أن ننجح في دمج هذه الأراضي في الدورة الاقتصادية العصرية بما يضمن كرامة ذوي الحقوق ويشجع الاستثمار، وإما أن تظل حبيسة نزاعات قبلية تعيق التنمية.

ختاماً، وكما جاء في التقرير الختامي الذي تلاه الدكتور محمد الغالي، فإن تجربة قلعة السراغنة تقدم دروساً وطنية بالغة الأهمية. المستقبل يتطلب مرونة في التطبيق، وصرامة في المراقبة، والأهم من ذلك، حواراً مجتمعياً مستمراً يضمن أن يكون القانون في خدمة الإنسان، وليس العكس. إن الأراضي السلالية ليست مجرد تراب، بل هي تاريخ وهوية، ومستقبل يجب أن يُبنى بحكمة.

أخبار تساوت

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AKHBARTASSAOUT @2023. All Rights Reserved.