بدون إعلانات ممولة، ولا يافطات ضخمة، ولا ميزانيات دعم تُذكر، نظمت الجمعية المغربية النموذجية للصحافة يوم الثلاثاء 28 يوليوز، بقاعة الندوات بالمركز الثقافي العربي الكواكبي بحي بوعكاز المحاميد بمراكش ، لقاءً تكريميا وإنسانياً استثنائياً بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لتربع جلالة الملك محمد السادس على العرش.
وكان شعار هذا اللقاء : “الإعلام والثقافة في خدمة التنمية والمواطنة”. لقاءٌ اعتمد كلياً على قوة الكلمة وصدق التضامن، ليتحول من مجرد ندوة ثقافية إلى محاكمة إنسانية وفكرية اعتبارا لتجاهل الجهات المسؤولة للوضع المأساوي الذي يعيشه الإعلام المقاولاتي بمراكش_آسفي .
و رغم شبه غياب الإمكانيات ومعاناة صحافيي القطاع الخاص من التجاهل وغياب تكريمهم ، بادرت “جمعية الصحافة النموذجية المغربية بمراكش” برفع الحيف عنهم عبر الاحتفاء بمسارهم وتكريم ثلة منهم اعترافاً بجهودهم المستميت .

جمعيةٌ تقاوم العَدَم وسؤالُ الاستمرار الحارقتطرح تجربة “الجمعية المغربية النموذجية للصحافة” علامة استفهام عريضة حول مآل الفاعلين الإعلاميين والمجتمع المدني المتخصص بجهة مراكش-آسفي؛ فهذه الجمعية التي تنشط في مجال يقع في منطقة شبه نادرة—إن لم تكن معدومة بالكامل بالجهة—تصارع بشكل يومي القرار بين البقاء والتوقف.
جمعية بلا مداخيل ولا موارد مالية ولا مقر، بل ولا حظ لها من التفاتة رسمية تثمن أهميتها القصوى في تأطير قطاع الإعلام الجهوي وتطويره خاصةمع ندرة الجمعيات المختصة في الصحافةوالإعلام…
كيف لجمعية تحمل على عاتقها أمانة الدفاع عن نبض الصحافة والإعلام الوطني والمحلي أن تُترك لمواجهة مصيرها وحيدة، لتستمر فقط بجهود وإرادة القائمين عليها برئاسة أطرها وغيرة منتسبيها؟ ألا يُعدّ هذا التجاهل تصفية غير مباشرة لمبادرات مدنية جادة تخدم التنمية والمواطنة بلا مقابل؟
دموعُ الأقلام وصرخةُ الأجساد الصحفية: شهاداتٌ تحبس الأنفاسلم يكن اللقاء مجرد توزيع للكلمات والتكريمات المستحقة، بل كان خرقاً لجدار الصمت ومكاشفة جرحٍ غائر. فقد اختار المنظمون أن يمنحوا الكلمة للصحافيات والصحافيين، والمراسلين، والمصورين الصحفيين الذين ظلوا لسنوات جند ظلٍ بلا حماية ولا حقوق.
وفي لحظات مؤثرة تقشعر لها الأبدان، تاثر الحاضرون وهم يحكون عن سيرٍ لأقطاب وأعمدة الصحافة والإعلام بمراكش؛ خاصة الصحافيين المصورين والمراسلين منهم ، قامات صالت وجالت، ثم رحل بعضهم في صمت ووهن دون أن ينالوا أدنـى حق يذكر وتركوا ورائهم اسرا معوزة، بينما يواصل آخرون معركتهم اليومية مع الفقر والهشاشة الاجتماعية والجمود الإداري، إلى حدّ أن منهم من بات لا يملك ما يسد به رمق أهله وعياله!
مداخلاتٌ وضعت اليد على الجرح؛تشخيصٌ لأزمة المقاولة والعمل الصحفي الحر والفوضى العارمة في القطاعوقد شهد اللقاء تقديم تشخيص دقيق وموضوعي للخصاص المهول والأزمة البنيوية التي تخنق الصحافة الحرة والمقاولة الإعلامية بالجهة، عبر مداخلات قيمة تناولت مختلف أوجه الجسم الصحفي منها :
مداخلة الدكتور مراد بولارباح: التي ركزت على البعد القانوني والأكاديمي والتحولات التي تعرفها المقاولة الإعلامية، مشدداً على ضرورة توفير بيئة استثمارية إعلامية تضمن الاستقلالية والكرامة للصحفي وتنقذ المقاولات الصغرى من الإفلاس.
مداخلة الأستاذ محمد مازغ: تناول فيها الواقع الميداني والتحديات الاجتماعية والمهنية التي تواجه الصحفيين والمراسلين في الميدان، داعياً إلى إعادة الاعتبار لمهنة المتاعب وحماية الممارسين من الهشاشة.
مداخلة الاستاذ محمد اوماعي، المختص في الاخراج السينمائي والتلفزي وعلاقته بالصحافة، والذي قدم للحاضرين عرضا على السبورة حول التعريف بثلاثية الكامرا ،و كيف يتم قلب الخبر ليصبح المعنى مغايرا تماما …مما جعل الحاضرون فقدوا السيطرة على اخفاء لهفتهم الى برامج التكوين والتكوين المستمر في مجال الاعلام.
مداخلة الأستاذ نبيل الخافقي: تساءل فيها عن دور السياسات العمومية في دعم الإعلام الجهوي، مشيراً إلى فجوة الواقع المرير الذي تعيشه الأقلام الحرة واستشهد بمجموعة اسماء في المسار المهني والتي يزل قاسمها المشترك هو تطوير المجال و تنظيمه.
كلمة الإعلامية أمينة أبوالغنائم التي قدمت رؤية شاملة وحسّاسة تعبر عن معطيات القطاع من الداخل، متوقفة عند الجوانب الإنسانية والاجتماعية والإدارية للمرأة والرجل في قطاع الإعلام، ومشددة على أن كرامة الصحفي هي الأساس الأول لأي تنمية أو مواطنة حقيقية.
كما دعت القطاع الوصي لفتح ملحق للمعهد العالي للصحافة والاتصال ISIC والمعهد العالي للاعلام السمعي البصري والسينما ISMAC ، يستفيد الاجيال القادمة من دراسات رسمية اكاديمية،عوض الترخيص لمؤسسات حرة قد يكون هدف بعضها هو الكسب والاتجار، وتفريخ جحافل من اناس لا يمتون للمهنة ولا لاخلاقياتها بصلة تذكر.
مداخلة الأستاذ المشاوري: سلطت الضوء على أهمية التكافل والتأطير الجمعوي للصحافيين، وضرورة خلق ميكانيزمات محلية للحد من التردي والتهميش الذي يطال الطاقات الصحفية بالجهة ،ودعى الى بتر اسلوب الاخد بالاجراءات والوثائق الادارية التي تبقى مجرد شكليات امام الولع والحس الصحفي الذي يعتبر هبة ربانية وعنصر اساسي قبل كل شيء.
و حقيقة ان هذا اللقاء كان بمتابة تفريغ لمعانات لا حسر لها في الجهة، فقد تدخل الكثير من الاخوات والاخوان ،لا يسع الامر لذكر اسمائهم جميعآ، لكن رسالتهم بالغة التاثير في النفوس..
وهناك تساؤلٌ يفرض نفسه وهو ،إلى متى هذا الاحتضار؟إن ما شهدته هذه الندوة الشفاهية الصادقة يُطلق صرخة إنذار مدوية في وجه الجهات المعنية والمجالس المنتخبة والسلطات الولائية بجهة مراكش-آسفي:
إلى متى يظل الإعلام الجهوي في مراكش يصارع سكرات الاحتضار في صمت؟ وما معنى أن تُترك قاماتٌ وأقلامٌ ومؤسساتٌ إعلامية جادة لتواجه الفقر والضياع، بينما تُهدر الميزانيات على مظاهر زائلة؟
وهل يُعقل أن تُترك جمعياتٌ نموذجية تحاول إنعاش هذا الجسم المريض بلا دعم ولا سند؟إن الالتفاتة عاجلة وحقيقية للقطاع الصحفي بجهة مراكش-آسفي؟
لم تعد مجرد مطلب فئوي، بل أصبحت واجباً وطنيا وإنسانياً لا يحتمل التأجيل، إنقاذًا لما تبقى من كرامة الصحافة والصحافيين (يات).



