بقلم:ذ.عبد الرحمان سوسو
ليست كل الجنازات سواء، فهناك جنازات يشيعها الناس أداءً للواجب، وهناك جنازات تخرج فيها القلوب قبل الأقدام، وتفيض فيها العيون قبل الدموع، لأن الراحل لم يكن رجلاً عادياً، بل كان مدرسة في الأخلاق، ومنارة في العلم، ومأوى للناس في دينهم ودنياهم. ومن هذا الصنف النادر كان الشيخ الإمام الفقيه العلامة سعيد الصديقي، الذي كشفت مشاهد تشييع جثمانه عن المكانة الرفيعة التي حظي بها في قلوب الناس، وهي مكانة لم تصنعها الألقاب ولا المناصب، وإنما صنعتها عقود من الصدق والإخلاص والزهد وحسن الخلق.
لقد كان الشيخ سعيد الصديقي مثالاً للعالم العامل، الذي جمع بين العلم والتربية، وبين العبادة وخدمة الناس، فلم يكن القرآن الكريم بالنسبة إليه مجرد كتاب يُتلى، وإنما كان منهج حياة ورسالة عمر. أفنى سنواته في تحفيظ كتاب الله للأجيال، وأشرف على طلبة القرآن الكريم بكل حزم الأب المشفق، ورحمة المربي الحكيم، وحرص العالم الذي يرى في كل حافظ للقرآن امتدادًا لرسالته وأمانته.
كان يرى أن أعظم استثمار هو غرس كلام الله في صدور الناشئة، ولذلك جعل من تعليم القرآن رسالته الأولى، ووجهته التي لم يحد عنها، فلم تغره مغريات الدنيا، ولم تستهوه زخارفها، بل عاش زاهدًا قانعًا، مكتفيًا بما قسم الله له، مؤمنًا بأن ما عند الله خير وأبقى.ولم يكن زهده انصرافًا عن الناس، بل كان قربًا منهم، يحمل همومهم، ويستقبلهم بوجه بشوش، ويقضي بينهم بالحكمة، ويعظهم بالموعظة الحسنة، ويعامل الجميع بتواضع العالم، ورفق المربي، وصدق الناصح الأمين.
لذلك أحبته الساكنة حبًا صادقًا، ورأت فيه نعم الفقيه، ونعم المرشد، ونعم الإمام الذي لم يفرق بين غني وفقير، ولا بين كبير وصغير، بل فتح قلبه للجميع، فكان الخدوم الوفي، والمسامح الكريم، وصاحب الكلمة الطيبة التي تدخل القلوب قبل الآذان.
لقد كان حضوره في المجتمع حضورًا تربويًا وإيمانيًا، يعلم الناس قبل أن يعظهم، ويؤثر فيهم بأفعاله قبل أقواله. وكانت سيرته اليومية درسًا في الصبر، والانضباط، والإخلاص، والوفاء للعهد، حتى أصبح قدوة لأجيال متعاقبة من حفظة القرآن وطلبة العلم، الذين وجدوا فيه الأب والمربي والشيخ.
وحين وافته المنية، لم تكن الجموع الغفيرة التي حضرت لتشييع جنازته مشهدًا عابرًا، بل كانت شهادة صادقة من الناس على رجل عاش بينهم نقي السريرة، طاهر اليد واللسان، فخرجوا يودعونه امتنانًا لما قدم، ووفاءً لما غرس، وحبًا لمن أحبهم لله وفي الله. لقد كانت تلك الجنازة رسالة بليغة تؤكد أن الإنسان لا يخلده ماله، ولا منصبه، ولا جاهه، وإنما يخلده أثره الطيب في القلوب، وعلمه النافع، وسيرته الحسنة.رحم الله الشيخ الإمام سعيد الصديقي رحمة واسعة، وجزاه عن كتابه العزيز، وعن طلبته، وعن مجتمعه خير الجزاء، وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
لقد غاب الجسد، لكن بقيت السيرة، وبقي الأثر، وبقي الدعاء يتردد على ألسنة من عرفوه وأحبوه. وما أعظمها من حياة تلك التي يكون ختامها جنازة تشهد فيها الأمة لصاحبها بالخير، ويكون أعظم وسام ناله في دنياه هو محبة الناس الصادقة، وهي ثمرة لا ينالها إلا من أخلص لله، فأخلص الله له قلوب عباده.

