بقلم المصطفى لحميدي
في كرة القدم الحديثة، لم تعد الدكّة مجرد مساحة خلفية للأسماء الاحتياطية، بل أصبحت معيارًا حقيقيًا لقوة المنتخبات وقدرتها على مواصلة الطريق.
فالمنتخب الذي لا يملك حلولًا قادرة على تجديد الإيقاع، ورفع النسق، وتغيير شكل المباراة حين تتعقّد، غالبًا ما يصل إلى حدود إمكانياته عند أول اختبار إقصائي كبير.اليوم، لم تعد قوة المغرب تُقاس فقط بما يقدمه الـ11 لاعبًا داخل المستطيل الأخضر، بل بما تملكه المنظومة كاملة من خيارات.
فالدكّة لم تعد حاضرة لتعويض الغيابات فقط، بل أصبحت مصدرًا للطاقة والتجدد وصناعة الفارق.أمام البرازيل، ظهر هذا المعنى بوضوح مع دخول أيوب ميموني، شمس الدين الطالبي، سمير المرابط وسفيان رحيمي.
أسماء لم تدخل لتكميل العدد، بل لتغيير ملامح المواجهة.لقد أعادوا الحيوية إلى الفريق، وحافظوا على جودة الأداء، ومنحوا المنتخب نفسًا إضافيًا في لحظات تحتاج إلى تركيز وقوة بدنية.وقد بدا واضحا كما لاحظ الجميع أن ميموني والمرابط كانا الأكثر تأثيرًا، بما قدماه من توازن وحضور وذكاء في التعامل مع مجريات اللقاء، خصوصًا في مرحلة كانت المباراة تحتاج إلى لاعبين قادرين على منح الفريق حلولًا جديدة.لكن هذا التحول لا يرتبط فقط بجودة الأسماء، بل يعكس أيضًا قراءة فنية مختلفة.
فالمدرب الجديد محمد وهبي، ورغم أنه تسلّم قيادة المنتخب بعد أشهر من مونديال 2026، يبدو أنه واصل البناء على قاعدة صلبة، مع إضافة بصمته الخاصة في توسيع دائرة الخيارات، ومنح أكبر عدد من اللاعبين دورًا حقيقيًا داخل المنظومة.
فالمدرب الذكي لا يُقاس فقط بقدرته على اختيار التشكيلة الأساسية، بل بمدى نجاحه في خلق منافسة داخل المجموعة، وجعل اللاعب الذي يدخل في الدقيقة الستين أو السبعين يشعر بأنه جزء من الخطة، وليس مجرد بديل اضطراري.وهنا يظهر الفارق الكبير بين منتخب 2022 ومنتخب اليوم.في مونديال قطر، امتلك المغرب تشكيلة أساسية استثنائية، قادرة على مواجهة كبار العالم وكتابة لحظات تاريخية.
لكن مع امتداد المشوار وتوالي المباريات، بدأت تظهر كلفة الإرهاق وضيق الخيارات، فأصبح الحفاظ على نفس النسق أكثر صعوبة، لأن الحمل كان موزعًا على أسماء محددة.
أما اليوم، فالمشهد يبدو مختلفًا.المغرب لم يعد منتخبًا يعتمد على 11 لاعبًا فقط، بل أصبح يمتلك مجموعة متكاملة؛ حيث لا يؤدي تغيير الأسماء إلى تراجع المستوى، ولا تتحول الدكّة إلى نقطة ضعف، بل إلى مصدر قوة إضافية.وهذا هو الفارق الحقيقي في البطولات الكبرى:
أن تملك فريقًا قادرًا على تقديم مباراة كبيرة، شيء مهم… لكن أن تملك مجموعة قادرة على صناعة بطولة كاملة، فذلك هو المستوى الأعلى من المنافسة.
ففي كأس العالم ، لا تُحسم الأمور فقط بمن يبدأ المباراة، بل بمن يستطيع تغييرها عندما تصل التفاصيل إلى أقصى درجات الصعوبة.
وهنا تحديدًا، تبدو دكّة المغرب اليوم أكثر من مجرد بدلاء… إنها جزء من هوية منتخب يريد أن يكتب فصلًا جديدًا في تاريخه.
