بقلم:ذ. عبد الرحمان سوسو
مع اقتراب موعد الإعلان عن النتائج الدراسية، تعيش آلاف الأسر لحظات من الترقب والانتظار، تختلط فيها مشاعر الأمل بالخوف، والفرح بالقلق، والطموح بالحذر.il
وهي مرحلة دقيقة تتطلب من الآباء والأمهات قدراً كبيراً من الحكمة والتبصر، لأن أبناءنا وبناتنا يكونون خلالها في وضع نفسي حساس قد ينعكس إيجاباً أو سلباً على مستقبلهم الدراسي والشخصي.
إن أول ما ينبغي أن تستحضره الأسر قبل الإعلان عن النتائج هو أن الابن أو الابنة أغلى من أي نقطة أو معدل أو شهادة. فالنتائج الدراسية، مهما كانت أهميتها، لا تختزل قيمة الإنسان ولا تحدد مستقبله بشكل نهائي.
كم من متفوق تعثر لاحقاً، وكم من متعثر صنع لنفسه نجاحاً باهراً بالإرادة والعمل والمثابرة.قبل الإعلان عن النتائج، يستحسن أن تحرص الأسر على توفير أجواء من الطمأنينة والهدوء داخل البيت، بعيداً عن الضغوط النفسية والمقارنات المرهقة مع الآخرين.
فالإفراط في التوقعات والحديث المتكرر عن المعدلات والرتب قد يزيد من توتر الأبناء ويجعلهم يعيشون حالة من الخوف والترقب المبالغ فيه.وأثناء الإعلان عن النتائج، ينبغي استقبالها بعقل راجح وقلب رحيم.
فإذا كانت النتائج مشرفة، فليكن الفرح مقروناً بالشكر والتواضع، بعيداً عن الغرور أو التفاخر أو التقليل من شأن الآخرين. أما إذا كانت دون التطلعات، فلا ينبغي أن تتحول لحظة الاطلاع عليها إلى محكمة للتوبيخ أو جلسة للتأنيب أو مناسبة لإطلاق الأحكام الجارحة والكلمات القاسية التي قد تترك جروحاً نفسية عميقة يصعب اندمالها.
إن بعض التلاميذ والتلميذات لا يخشون النتيجة في حد ذاتها بقدر ما يخشون رد فعل أسرهم. ولذلك فإن الابتسامة الصادقة، والكلمة الطيبة، والاحتضان الحاني، قد تكون في تلك اللحظة أهم بكثير من أي درس أو موعظة.
أما بعد الإعلان عن النتائج، فهنا يبدأ الدور التربوي الحقيقي للأسرة. فنجاح الأبناء يستوجب التشجيع والتحفيز على مواصلة الاجتهاد، وتعثرهم يستوجب المساندة والتوجيه والبحث الهادئ عن أسباب الصعوبات وكيفية تجاوزها.
فالرسوب أو ضعف النتائج ليس فشلاً نهائياً، بل تجربة من تجارب الحياة تحمل في طياتها دروساً ثمينة في الصبر والمثابرة والتحدي.كما أن من الأخطاء الشائعة مقارنة الأبناء بأقرانهم أو بإخوتهم، لأن لكل طفل قدراته وإمكاناته وظروفه الخاصة. والمقارنة غالباً ما تولد الإحباط وتضعف الثقة بالنفس بدل أن تبنيها.
إن أبناءنا اليوم في حاجة إلى من يسمعهم أكثر مما يحاكمهم، وإلى من يفهم مشاعرهم أكثر مما يراقب أخطاءهم، وإلى من يفتح أمامهم أبواب الأمل بدل أن يغلقها بكلمات اليأس والإحباط.
فلنتذكر جميعاً أن التربية ليست احتفالاً بالنجاح فقط، وإنما هي أيضاً حسن المواكبة عند التعثر، وأن الأسرة الناجحة هي التي تجعل أبناءها يشعرون بأن محبتها لهم ثابتة لا تتغير بتغير النقط والمعدلات.
حفظ الله أبناءنا وبناتنا، ووفقهم لما فيه خيرهم وصلاحهم .
