تشهد مدينة قلعة السراغنة، كما هو الحال في عدد من المدن المغربية، تحولات متسارعة في المشهد الإعلامي فرضتها الثورة الرقمية واتساع فضاءات النشر والتواصل.
غير أن هذه التحولات، على ما تحمله من فرص لتعزيز الحق في الوصول إلى المعلومة وتوسيع دائرة التعبير، أفرزت في المقابل اختلالات عميقة باتت تهدد صورة الصحافة ومكانتها داخل المجتمع المحلي.
ففي السنوات الأخيرة، أصبح المشهد الإعلامي بالإقليم يعرف حالة من التداخل غير المسبوق بين العمل الصحفي المهني وبين أشكال أخرى من النشاط التواصلي الرقمي، إلى درجة بات معها المواطن يجد صعوبة في التمييز بين الصحافي المهني المؤهل قانونياً وأخلاقياً لممارسة المهنة، وبين أشخاص يقدمون أنفسهم للرأي العام بصفات إعلامية دون أن تتوفر فيهم الشروط المهنية والقانونية اللازمة.
إن خطورة هذا الواقع لا تكمن فقط في خرق الضوابط المؤطرة للمهنة، بل في ما يترتب عنه من إضعاف لمصداقية الإعلام المحلي وإرباك لعلاقته بالمجتمع والمؤسسات. فالصحافة ليست مجرد كاميرا أو ميكروفون أو صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي، وليست كذلك وسيلة للبحث عن الامتيازات أو تحقيق الظهور السريع، بل هي مسؤولية مجتمعية ورسالة نبيلة تقوم على التحري والتدقيق والاستقلالية واحترام أخلاقيات المهنة.وقد سبق للمجلس الوطني للصحافة أن نبه إلى خطورة تنامي ظاهرة انتحال صفة الصحافي المهني واشتغال أشخاص خارج الضوابط القانونية المؤطرة للمهنة، مؤكداً أن ممارسة الصحافة ليست هواية عابرة ولا محطة للبحث عن المكانة الاجتماعية أو الامتيازات الظرفية، وإنما مسؤولية تقتضي التكوين والكفاءة والالتزام بأخلاقيات المهنة.
وهي الرسالة التي تبدو اليوم أكثر راهنية في قلعة السراغنة، حيث أصبح سؤال المهنية يفرض نفسه بإلحاح أمام حالة السيولة التي يعرفها الحقل الإعلامي المحلي.
وإذا كانت الصحافة في مراحل سابقة بالإقليم تحظى بقدر كبير من الاحترام والاعتبار، فإن جزءاً من هذا الرصيد الرمزي تعرض خلال السنوات الأخيرة للتآكل بسبب ممارسات وسلوكيات لا تنسجم مع مكانة المهنة ودورها الرقابي والتنويري. فبدل أن يكون الصحافي فاعلاً في إنتاج المعرفة ومساءلة السياسات العمومية والدفاع عن قضايا المواطنين، أصبح المشهد في بعض الأحيان محكوماً بمنطق البحث عن الحضور الشكلي أو السعي وراء مصالح ظرفية ضيقة لا تخدم لا المهنة ولا المجتمع.
ولعل من أكثر الوقائع دلالة على حجم هذا الاندحار ما رافق الزيارة الرسمية الأخيرة للقنصل العام للولايات المتحدة الأمريكية إلى قلعة السراغنة. فخلال هذه المناسبة، تم توجيه عدد من الحاضرين المحسوبين على الحقل الإعلامي إلى أحد المقاهي لتناول سندويتشات بالجبن والنقانق، في مشهد قد يبدو للبعض بسيطاً أو عادياً، لكنه في حقيقته يحمل دلالات عميقة تتجاوز بكثير قيمته المادية أو طابعه العابر.
فالقضية هنا ليست قضية وجبة غذائية، وإنما قضية رمزية تتعلق بالمكانة الاعتبارية للصحافة. إذ كيف يمكن لمهنة ظلت توصف لعقود بـ«صاحبة الجلالة» أن تُختزل في مثل هذه الصور التي تعكس، عن قصد أو عن غير قصد، حجم التراجع الذي أصاب نظرة البعض إلى الإعلام المحلي؟ والأكثر إيلاماً أن عدداً ممن قبلوا بهذا الوضع تعاملوا معه باعتباره أمراً عادياً لا يستدعي أي موقف أو تحفظ، وكأن التنازل عن الكرامة المهنية أصبح جزءاً من المشهد المألوف.لقد كشفت هذه الواقعة عن أزمة أعمق من مجرد حادث عابر، أزمة تتعلق بمدى تمسك بعض المنتسبين إلى المجال الإعلامي بكرامة المهنة وهيبتها.
فالصحافي الذي يقبل بتبخيس مكانته أو يتعايش مع أشكال الانتقاص من دوره، لا يسيء إلى نفسه فقط، بل يسيء إلى صورة الصحافة بأكملها، لأن كرامة المهنة لا تتجزأ، ولأن احترام الصحافة يبدأ من احترام أهلها لأنفسهم قبل مطالبة الآخرين باحترامها.ولم يقف أثر هذا التراجع عند حدود الممارسة الإعلامية نفسها، بل امتد إلى الصورة الرمزية للصحافة داخل الوعي الجماعي المحلي. فحين تفقد المهنة جزءاً من هيبتها ومكانتها، يبدأ المجتمع في إنتاج توصيفاته الخاصة، وهي توصيفات غالباً ما تكون قاسية بقدر ما تعكس حجم خيبة الأمل من الواقع القائم.
لذلك لم يعد مستغرباً أن تتداول في بعض الأوساط المحلية تسميات من قبيل «صحافة دُور معايا»، إلى جانب أوصاف وألقاب أخرى ذات دلالات قدحية ارتبطت بمرحلة الانحدار التي عرفها المشهد الإعلامي بالإقليم.
ولم تأت هذه التسميات من فراغ، بل كانت نتيجة تراكمات طويلة من الممارسات التي أضرت بصورة المهنة وأفقدتها جزءاً من رصيدها المعنوي لدى الرأي العام. فالمجتمع لا يطلق أحكاماً قاسية على مؤسسة كان ينظر إليها باعتبارها سلطة رقابية وأخلاقية إلا عندما يشعر بأن جزءاً من المنتسبين إليها تخلى عن الأدوار النبيلة التي منحتها احترامها التاريخي.
إن المؤلم في هذه الأوصاف ليس مجرد تداولها، بل كونها أصبحت تجد ما يغذيها من ممارسات يومية تسيء إلى الصحافة أكثر مما تخدمها. فحين يتحول بعض المنتسبين إلى المجال إلى باحثين عن الامتيازات أو المجاملات أو المنافع العابرة، وحين تصبح المهنة لدى البعض مجرد وسيلة للظهور أو الاقتراب من مراكز النفوذ، فإن النتيجة الطبيعية هي فقدان الاحترام المجتمعي الذي يشكل رأس المال الحقيقي لأي صحافة جادة.إن هذه الوقائع مجتمعة تعكس إلى حد بعيد حجم الانحدار الذي أصاب جزءاً من المشهد الإعلامي المحلي، حيث أصبح بعض المنتسبين إليه يقبلون بما كان يُعد في السابق مساساً واضحاً بكرامة المهنة.
والأسوأ من ذلك أن هذا القبول المتكرر يكرس ثقافة التطبيع مع التهميش، ويحول الاستثناء إلى قاعدة، إلى أن اصبح الانتقاص من الصحافة أمراً عادياً لا يثير أي رد فعل.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه الصحافة بقلعة السراغنة اليوم لا يتعلق بنقص الوسائل التقنية أو محدودية فضاءات النشر، بل يتعلق أساساً باستعادة المعنى الحقيقي للعمل الصحفي وإعادة بناء الثقة بين الإعلام والمجتمع. فالإعلام القوي لا يقاس بعدد الصفحات والمنصات، وإنما بقدرته على إنتاج محتوى مهني جاد يحترم ذكاء المتلقي ويخضع لمعايير الدقة والتوازن والمصداقية.
وأمام هذا الوضع، فإن الحاجة أصبحت ملحة إلى مبادرة جماعية مسؤولة تجمع الصحافيين المهنيين والناشرين والفاعلين الإعلاميين وكتاب الرأي والأساتذة الجامعيين والباحثين والمهتمين بالشأن العام، من أجل إطلاق حوار جاد ومسؤول حول واقع ومستقبل الإعلام بقلعة السراغنة، وتشخيص أعطاب المرحلة وتحديد مكامن الخلل التي أفرزت هذا الوضع المقلق، والخروج بتصور عملي يفضي إلى بلورة ميثاق شرف محلي يعيد الاعتبار للممارسة المهنية ويؤسس لعلاقة متوازنة بين الحرية والمسؤولية، وبين الحق في التعبير وواجب احترام أخلاقيات المهنة، بما يساهم في وقف مسلسل التمييع واستعادة هيبة الصحافة ومكانتها داخل المجتمع.
كما أن المؤسسات العمومية والسلطات المختصة مطالبة بتطبيق القانون وتنظيم الولوج إلى التظاهرات والأنشطة الرسمية وفق معايير واضحة وشفافة، بما يحفظ هيبة المؤسسات ويحترم في الوقت نفسه مكانة الصحافة المهنية ودورها الدستوري في خدمة المجتمع، مع التمييز الواضح بين الصحافي المهني وبين كل من يستغل الفضاء الرقمي لادعاء صفة لا يمنحها القانون إلا وفق شروط محددة.إن الدفاع عن الصحافة المهنية بقلعة السراغنة ليس دفاعاً عن فئة بعينها، بل دفاع عن حق المواطنين في إعلام جاد ومسؤول وموثوق.
فحين تضعف الصحافة يضعف معها النقاش العمومي وتتراجع آليات الرقابة والمساءلة، وحين تستعيد مكانتها الطبيعية فإن المجتمع بأسره يكون هو الرابح الأكبر.لقد آن الأوان لفتح صفحة جديدة عنوانها المهنية بدل الفوضى، والكفاءة بدل الادعاء، والمسؤولية بدل الاستعراض، حتى تستعيد الصحافة بقلعة السراغنة المكانة التي تستحقها كسلطة مجتمعية فاعلة وشريك أساسي في بناء الوعي والتنمية والديمقراطية المحلية.
فالرهان اليوم ليس فقط على إنقاذ صورة مهنة، بل على حماية حق المجتمع في إعلام يحترم نفسه أولاً حتى يفرض احترامه على الآخرين، ويعيد لـ«صاحبة الجلالة» ما فقدته من هيبة ووقار في زمن اختلطت فيه الأصوات، وتراجعت فيه المعايير، وأصبحت الحاجة إلى صحافة مهنية مسؤولة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
