محمد الطالبي
لن يدخل التاريخ دولةً أصبحت قوة اقتصادية لأنها فازت بكأس العالم، أو لأنها شيدت أكبر ملعب، أو لأن منتخبها اعتلى منصة التتويج.
فالأمم لا تُبنى بالأهداف، بل بالعقول؛ ولا تنهض بالمدرجات، بل بالمدارس؛ ولا تصنع مستقبلها بكرة منفوخة بالهواء، بل بإنسان متعلم، واقتصاد منتج، ومؤسسات قوية.
قد تمنح كرة القدم لحظة فرح، وقد تصنع مجداً رياضياً يلتف حوله الملايين، لكنها لا تصنع وحدها تنمية مستدامة، ولا تقضي على البطالة، ولا تعالج مريضاً، ولا تفتح مختبراً للبحث العلمي، ولا تبني مصنعاً.
وعندما تتحول الفرجة إلى أولوية، ويصبح التصفيق بديلاً عن التنمية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل نبني الإنسان أم نبني المدرجات؟
كلما ارتفعت أصوات تدعو إلى جعل كرة القدم قاطرة للتنمية أو مدخلاً لبناء اقتصاد وطني، كان من الضروري العودة إلى التجارب الإنسانية الكبرى، لا إلى الشعارات أو الانفعالات.
فالتاريخ الاقتصادي للدول لا يسجل حالة واحدة نجحت فيها دولة في بناء اقتصادها على كرة القدم، أو جعلت من المستديرة أساساً لنموها الاقتصادي والاجتماعي.
لقد استطاعت دول مثل إنجلترا وإسبانيا وألمانيا وإيطاليا أن تحول كرة القدم إلى صناعة عالمية تدر مليارات الدولارات، لكن ذلك لم يكن نقطة البداية، بل كان نتيجة طبيعية لاقتصادات قوية ومتنوعة، قامت على الصناعة، والبحث العلمي، والابتكار، والتعليم، والتكنولوجيا، والمؤسسات الفاعلة.
فالرياضة هناك ليست بديلاً عن الاقتصاد، وإنما ثمرة من ثماره.بل إن تجارب كبرى، مثل تنظيم اليونان للألعاب الأولمبية سنة 2004، والبرازيل لكأس العالم 2014، وجنوب إفريقيا لكأس العالم 2010، بينت أن الإنفاق الضخم على التظاهرات الرياضية، رغم ما يحققه من إشعاع وصورة دولية، لا يضمن وحده تحقيق طفرة اقتصادية أو اجتماعية إذا لم يكن جزءاً من استراتيجية تنموية شاملة.
فالملاعب وحدها لا تخلق الثروة، ولا تؤسس لصناعة، ولا توفر تعليماً أفضل، ولا تعالج الفقر أو البطالة أو الهشاشة الاجتماعية.إن الدول النامية مطالبة، أكثر من غيرها، بحسن ترتيب الأولويات.
فالاستثمار العمومي ليس مجرد أرقام في الميزانية، بل هو اختيار سياسي وأخلاقي يعكس تصور الدولة لمستقبلها. وعندما تُرصد مليارات الدراهم لمشاريع رياضية في وقت لا تزال فيه المدرسة العمومية، والمستشفى العمومي، والنقل، والسكن، وفرص الشغل، تعاني اختلالات بنيوية، يصبح من المشروع التساؤل: أي تنمية نريد؟ وأي عدالة اجتماعية نسعى إلى تحقيقها؟
ومن زاوية أخرى، يبدو الرهان على كرة القدم لبناء شرعية سياسية أكثر هشاشة من الرهان الاقتصادي نفسه. فاستغلال الشغف الجماهيري بكرة مملوءة بالهواء لتحقيق مكاسب سياسية أو تجارية لا يصمد أمام منطق التاريخ ولا أمام طبيعة الرياضة نفسها.
ولكي لا يُساء فهم هذا الطرح، فإن الدفاع عن أولوية التنمية لا يعني التقليل من قيمة الرياضة، بل على العكس تماماً.
فالرياضة حق من حقوق المواطنين، والاستثمار الحقيقي فيها يبدأ من تعميم ملاعب القرب، والقاعات الرياضية، والمسابح، والفضاءات المفتوحة، حتى تصبح ممارسة الرياضة حقاً يومياً لكل طفل وشاب وامرأة ومسن، لا امتيازاً يرتبط بمواعيد البطولات الكبرى.
فالرياضة ليست مناسبة احتفالية، بل خدمة عمومية واستثمار في صحة المجتمع وفي الإنسان. وعندما يصبح الاستثمار الرياضي موجهاً إلى تعميم الممارسة قبل صناعة الفرجة، وإلى بناء الإنسان قبل تشييد الإسمنت، وإلى الصحة قبل الألقاب، آنذاك فقط تصبح الرياضة رافعة حقيقية للتنمية.
فالوطن أكبر من ملعب، والدولة أكبر من فريق، والتنمية أعمق من هتاف. والدول التي صنعت مجدها بدأت من المدرسة، والجامعة، والمختبر، والمصنع، ثم جاءت الرياضة لتتوج هذا المسار.
أما الملاعب، مهما بلغت عظمتها، فلن تبني كرة منفوخة وطناً، ما لم يكن أساسه إنسان متعلم، واقتصاد منتج، وعدالة اجتماعية، ومؤسسات قوية.
*محمد الطالبي:نائب رئيس النقابة الوطنية للصحافة المغربية
