✍️ فتيحة الطوفي: باحثة في سلك الدكتواره
في سياق الاهتمام المتنامي بقضايا الخطاب وتحليل النصوص في مختلف تجلياتها الأدبية والقرآنية والتربوية، نظم مركز بيان للدراسات والأبحاث في اللغة والأدب والتربية، بتعاون مع المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين لجهة مراكش آسفي – الفرع الإقليمي بقلعة السراغنة، ندوة وطنية بعنوان: “تحليل الخطاب: المرجعيات والمقاربات”، بمشاركة ثلة من الأساتذة الباحثين والمتخصصين في الدراسات اللغوية، والأدبية والقرآنية والتربوية.
وسعت هذه الندوة إلى إثراء النقاش العلمي حول الأسس النظرية والمقاربات المنهجية التي يقوم عليها تحليل الخطاب، واستجلاء آليات اشتغال الخطابات الأدبية والقرآنية والتربوية، والكشف عن أبعادها البلاغية والتداولية والسيميائية والحجاجية، فضلاً عن استشراف إمكانات توظيف هذه المقاربات في مجالات التربية والتكوين. كما شكلت فضاءً علميًا لتبادل الخبرات والتجارب البحثية بين الباحثين والمهتمين بقضايا الخطاب وتحليل النصوص.
استُهلت أشغال الندوة بجلسة افتتاحية رسمية ترأسها الدكتور عبد العالي قادا، أستاذ التعليم العالي بكلية اللغة العربية بجامعة القاضي عياض بمراكش، بينما تولى الأستاذ مهدي شكير مهمة تسيير فقراتها. وقد افتتحت الجلسة بتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم، أعقبها أداء النشيد الوطني، ثم كلمات الجهات المنظمة والمؤطرة للندوة، التي أكدت أهمية البحث العلمي في تطوير الدراسات اللغوية والإنسانية، وضرورة الانفتاح على المناهج الحديثة في تحليل الخطاب بما يتيح فهماً أعمق لبنيات النصوص وآليات إنتاج المعنى.
وانطلقت الأشغال العلمية للندوة بعقد الجلسة العلمية الأولى، التي ترأسها الدكتور أحمد الوظيفي، أستاذ بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بأسفي. وقد ضمت سبع مداخلات علمية تناولت الخطاب في تجلياته الأدبية، والقرآنية والدينية والسردية.
افتتحت هذه الجلسة بمداخلة للدكتور فيصل أبو الطفيل (الكلية متعددة التخصصات، جامعة السلطان مولاي سليمان بخريبكة) بعنوان: “الشعر والسر: مقاربة بلاغية لثنائية البوح والكتمان في نماذج من الشعر العربي القديم”، تناول فيها مفهوم السر في الشعر العربي القديم من خلال ثنائية البوح والكتمان، مبرزًا الأبعاد النفسية والاجتماعية والجمالية المؤطرة لتمثلات السر في الخطاب الشعري، ودور هذه الثنائية في بناء التجربة الشعرية العربية.
أما المداخلة الثانية، فقد قدمها الدكتور عبد الرحمان إيكيدر والأستاذ يونس السرحاني (كلية اللغة العربية، جامعة القاضي عياض بمراكش) تحت عنوان: “خطاب الثورة في رواية فرسان الأحلام القتيلة”، حيث ركزت على تحليل تمثلات الثورة داخل المتن الروائي والكشف عن مختلف الخطابات المتفاعلة فيه، من خطاب السلطة إلى خطاب المقاومة، مع إبراز أبعادها الفكرية والوجودية.
وفي المداخلة الثالثة، تناول الدكتور كمال ذاكير (الكلية متعددة التخصصات، جامعة السلطان مولاي سليمان بخريبكة) موضوع: “الضمير وبناء المعنى في القرآن الكريم: ثنائية الرغبة والصبر نموذجًا”، متوقفًا عند الأبعاد الدلالية والأخلاقية للخطاب القرآني، ومبرزًا دور الضمير في توجيه المعنى وبناء المقاصد القيمية. وتواصلت أعمال الجلسة بمداخلة للدكتور محمد أبحير (المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين، مراكش آسفي) بعنوان: “ظاهرة التماثل والتميز في الخطاب الأدبي؛ امرؤ القيس وحازم القرطاجني مثالًا”، حيث أبرز أن الإبداع الأدبي يقوم على جدلية التفاعل مع التراث وإعادة إنتاجه عبر آليات التناص والتفاعل النصي واستثمار الذاكرة الثقافية.
وفي المداخلة الخامسة، قدمت الدكتورة سالمة الراجي والدكتور عمر أبو مريم (المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين، مراكش آسفي) عرضًا بعنوان: “الخطاب الديني في التراث الأدبي: الآليات والمنهج؛ قراءة في نماذج من التراث الجاحظي”، حيث توقفا عند تداخل البعدين الأدبي والديني في التراث العربي، مع إبراز آليات الإقناع التي اعتمدها الجاحظ في بناء خطابه.
واختتمت الجلسة الأولى بمداخلة للدكتور نور الدين اجعيط (المدرسة العليا للأساتذة، جامعة القاضي عياض بمراكش) بعنوان: “سيميائيات الجسد في خطاب الرواية”، تناول فيها الجسد بوصفه علامة دلالية وثقافية داخل النص الروائي، محللًا وظائفه الرمزية وعلاقته ببناء المعنى وتمثيل قضايا الذات والسلطة والهوية.
أما الجلسة العلمية الثانية، فقد ترأسها الدكتور محمد أبحير (المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين، مراكش آسفي)، وخُصصت لمناقشة قضايا الخطاب التربوي وتحولاته المعرفية والديداكتيكية في ضوء المستجدات الفكرية والتكنولوجية المعاصرة.
استهلت هذه الجلسة بمداخلة للدكتور لحسن أيت احساين (المدرسة العليا للأساتذة، جامعة القاضي عياض بمراكش) بعنوان: “تحليل الخطاب التربوي: إشكالات ومقترحات”، حيث ناقش أبرز الإشكالات المفاهيمية والمنهجية والتواصلية التي تعترض تحليل الخطاب التربوي، مقترحًا جملة من السبل الكفيلة بتطوير هذا الحقل المعرفي وتعزيز حضوره في الممارسة التربوية.
وفي المداخلة الثانية، قدم الدكتور أحمد الوظيفي (المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين، مراكش آسفي) عرضًا بعنوان: “الرؤية مثل (Voir comme) آلية للنقل الديداكتيكي بالمرحلة الابتدائية”، أبرز من خلاله أهمية التمثيل الذهني والتصور البصري في تقريب المفاهيم المجردة وتيسير عمليات التعلم والاكتساب لدى المتعلمين.
أما الدكتور سامي لوريكة (المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين، مراكش آسفي)، فقد تناول في مداخلته الموسومة بـ “القصص القرآني في المقام التربوي: مقاربة سردية” الإمكانات التربوية والجمالية التي يتيحها القصص القرآني، داعيًا إلى استثمار المقاربات السردية الحديثة في تدريسه بما يحقق التكامل بين البعد القيمي والبعد الجمالي. أما المداخلة الرابعة، التي قدمها الدكتور محمد جمالي (المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين، مراكش آسفي)، فجاءت تحت عنوان: “خطاب الوعظ والإرشاد: من التنمية الروحية إلى التنمية الاجتماعية، مقاربة سوسيودينية”، وركزت على الوظائف الاجتماعية والتربوية للخطاب الوعظي ودوره في بناء السلوك الفردي والجماعي، من خلال الربط بين التزكية الروحية والتنمية المجتمعية. وتلت ذلك مداخلة الأستاذ عبد العالي الفخار (الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين، مراكش آسفي) بعنوان: “إدماج الذكاء الاصطناعي التوليدي في تدريس اللغة العربية: مقاربة نقدية للوثائق المرجعية”، حيث ناقش رهانات توظيف الذكاء الاصطناعي في العملية التعليمية وإمكاناته في تطوير التعلمات، إلى جانب ما يثيره من أسئلة تربوية وأخلاقية ومنهجية.
واختتمت الجلسة الثانية بمداخلة للدكتور حبيبي أيوب (الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين، مراكش آسفي) بعنوان: “نحو أنطولوجيا للتعلم: إيتوس الإقامة التربوية في ضوء فلسفة مارتن هايدغر”، والتي انفتحت على الأبعاد الفلسفية للتعلم، مقدمة تصورًا للتربية باعتبارها تجربة وجودية تتجاوز حدود اكتساب المعرفة إلى بناء معنى الوجود والإقامة الإنسانية في العالم.
وفي ختام الندوة، انعقدت جلسة عامة ترأسها الأستاذ عبد العالي الفخار (الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة مراكش آسفي)، خُصصت لمناقشة مختلف المداخلات العلمية وتبادل وجهات النظر بشأن القضايا والإشكالات التي أثارتها. كما شهدت الجلسة تلاوة التوصيات المنبثقة عن أشغال الندوة، والتي أكدت أهمية مواصلة البحث في قضايا تحليل الخطاب بمختلف تجلياته، وتعزيز التكامل بين المقاربات البلاغية والتداولية والسيميائية والتربوية، والانفتاح على التحولات الرقمية وما تتيحه من إمكانات واعدة في مجالات التربية والتكوين.
واختُتمت فعاليات اللقاء بتوزيع شواهد المشاركة على الباحثين والمتدخلين، أعقب ذلك إلقاء الكلمة الختامية التي نوهت بالقيمة العلمية للمساهمات المقدمة، وأكدت أهمية مثل هذه اللقاءات الأكاديمية في ترسيخ ثقافة البحث العلمي وتعزيز التواصل بين الباحثين والمهتمين بقضايا الخطاب وتحليل النصوص.
وخلاصة القول، فقد أبرزت هذه الندوة العلمية المكانة المحورية لتحليل الخطاب بوصفه مجالًا معرفيًا تتقاطع ضمنه تخصصات الأدب واللسانيات والدراسات القرآنية والتربية، كما كشفت عن تعدد المرجعيات النظرية والمقاربات المنهجية القادرة على استنطاق النصوص والخطابات في مختلف تجلياتها. وأظهرت المداخلات العلمية أن فهم الخطاب لم يعد رهين منظور أحادي، بل أصبح يستلزم الإفادة من المقاربات البلاغية والتداولية والسيميائية والحجاجية والديداكتيكية، بما يتيح قراءات أكثر عمقًا للنصوص ويسهم في مواكبة التحولات المعرفية والرقمية التي يشهدها العالم المعاصر.






