بقلم:ذ.عبد الرحمان سوسو
مع حلول فترة امتحانات البكالوريا من كل سنة، تتحول الساحات المحيطة بمراكز الامتحان إلى مشاهد إنسانية مؤثرة تختلط فيها مشاعر الأمل بالخوف، والثقة بالقلق، والرجاء بالتوجس. فهناك، أمام أبواب المؤسسات التعليمية، تجلس الأمهات والآباء لساعات طويلة تحت أشعة الشمس أو في ظلال الجدران، يترقبون خروج أبنائهم من قاعات الامتحان، وكأنهم هم من يجتازون الاختبار لا أبناؤهم.
تتكرر هذه المشاهد كل عام؛ أم ترفع أكف الضراعة إلى الله أن يوفق ابنها، وأب يذرع المكان جيئة وذهابًا وقد بدت عليه علامات التوتر والانتظار. إنهم يعيشون لحظات عصيبة يختلط فيها الخوف على مستقبل الأبناء بالخوف على صحتهم النفسية والجسدية أثناء الامتحانات.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: هل يكفي أن نحضر إلى جانب أبنائنا أيام الامتحان فقط؟إن البكالوريا ليست محطة معزولة عن باقي سنوات الدراسة، بل هي ثمرة مسار طويل من التربية والتوجيه والمتابعة والمواكبة.
لذلك فإن الدعم الحقيقي لا يبدأ عند باب مركز الامتحان، وإنما يبدأ منذ السنوات الأولى من التمدرس، حين يحرص الآباء والأمهات على متابعة التحصيل الدراسي لأبنائهم، وتشجيعهم على الاجتهاد، وتعزيز ثقتهم بأنفسهم، وترسيخ قيم الانضباط وتحمل المسؤولية لديهم.
ومن خلال تجربتي كرجل تربية متقاعد، أؤكد أن التلميذ الذي يحظى بمواكبة أسرية متوازنة طيلة سنوات الدراسة يصل إلى محطة الامتحان أكثر هدوءًا وثقة واطمئنانًا. فهو لا يشعر بأنه يواجه المصير وحده، بل يدرك أن وراءه أسرة داعمة تؤمن بقدراته وتسانده في النجاح كما في التعثر.
إن بعض الأسر، للأسف، لا تنتبه إلى أهمية المتابعة إلا عند اقتراب موعد الامتحانات، فتتحول العلاقة مع الأبناء إلى سلسلة من الضغوط والتوجيهات المتأخرة التي قد تزيد من توترهم بدل أن تمنحهم الطمأنينة. بينما المطلوب هو بناء علاقة تربوية مستمرة قائمة على الحوار والثقة والتشجيع والمتابعة اليومية.
كما ينبغي أن ندرك أن النجاح لا يقاس فقط بالحصول على معدلات مرتفعة، وإنما أيضًا بقدرة أبنائنا على مواجهة التحديات بثقة، والتعامل مع الامتحانات بهدوء، وتجاوز لحظات القلق والضغط النفسي.وفي هذه الأيام الحاسمة، فإن أفضل ما يمكن أن تقدمه الأسرة لأبنائها هو توفير أجواء الراحة النفسية، والابتعاد عن التهويل والتخويف، وتذكيرهم بأن الاجتهاد هو المعيار الحقيقي للنجاح، وأن النتائج مهما كانت لا ينبغي أن تختزل قيمة الإنسان أو مستقبله.
تحية تقدير وإجلال لكل أم وأب يقفان اليوم أمام مراكز الامتحان، يرافقان أبناءهما بالدعاء والرجاء والمحبة. وتحية أكبر لأولئك الذين أدركوا أن التربية ليست موقفًا عابرًا في موسم الامتحانات، بل هي رسالة يومية ومرافقة مستمرة تمتد عبر سنوات العمر والدراسة.
فالبكالوريا محطة مهمة بلا شك، لكنها ليست نهاية الطريق، أما المواكبة الأسرية الصادقة فهي الجسر الآمن الذي يعبر بالأبناء نحو النجاح والتميز وبناء المستقبل.
