تعاني الصحافة المحلية أو صحافة القرب بقلعة السراغنة من تحديات جسيمة تعيق دورها كرافعة للتنمية المحلية وبناء الديمقراطية التشاركية وأبرز هذه العوائق هي استمرار عقليات متحجرة تنهج “عقيدة التكتم” على مستوى تدبير بعض المرافق الإدارية المحلية ، مما يعمق الهوة بين الإدارة والمواطن.
ومعلوم أن “العقليات المتحجرة” بطبيعتها جامدة وعاجزة عن التكيف مع المتغيرات أو تقبل الأفكار الجديدة عموما، ولكن في سياق “صحافة القرب” والتنمية، تظهر هذه العقليات بوضوح لدى بعض المسؤولين أو الفاعلين، وتتمثل في:
النزعة السلطوية لدى بعض هؤلاء الذين يعتبرون المعلومة “سلطة” يجب احتكارها لا مشاركتها، والتعامل مع الصحفي كـ “عدو” أو “متطفل” وليس كشريك في التنمية.
مقاومة التغيير:
وتتمثل في تمسك بعض المسؤولين بأساليب تدبير تقليدية (بيروقراطية) ورفض الآليات الحديثة مثل الرقمنة والشفافية التفاعلية.
ورغم وجود القانون 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات، إلا أن المساطر الإدارية المعقدة والتماطل في الرد (الذي قد يصل لـ 20 يوماً أو أكثر) يجعل المعلومة “ميتة” وغير صالحة للنشر في سياق صحفي آني. إضافة إلى غياب “المخاطب المعين”حيث ينعدم في معظم الجماعات الترابية والمصالح الخارجية إن لم يكن كلها موظفون مكلفون بالتواصل لديهم مؤهلات للقيام بهذه المهمة وفق الشروط القانونية المنصوص عليها ، مما يجعل الصحفي في مواجهة مباشرة مع رفض المسؤول الأول أو “صمته”.
معاناة الصحافة المحلية تتفاقم في ظل الفجوة بين النص القانوني والواقع، حيث تتسع الهوة بين الشعارات القانونية وممارسة الإدارة؛ و ُنظر في معظم الأحيان لطلب المعلومة كأنه “استنطاق” أو “تدخل في الاختصاص”، وليس حقاً دستورياً للمواطن عبر الوسيط الصحفي.
وفيما يجب التنويه بالكثير من المسؤولين على مستوى إقليم قلعة السراغنة الذين يحسب لهم تدبير التواصل مع الصحافة المحلية والوطنية بمهنية واقتدار، فإن بعض المسؤولين في إدارات مختلفة يبالغون في التذرع بالتحفظ باستغلال استثناءات القانون (مثل أسرار المهنة أو الخصوصية) لحجب معلومات عادية تتعلق بصفقات عمومية أو تدبير مرافق محلية.
هذا التكتم على المعلومة بشكل مبالغ فيه، يعكس الخوف لدى مسؤولين لم يتخلصوا من عقلياتهم القديمة المتحجرة، يكون له أثر سلبي على التنمية المحلية حيث يفسح الباب لانتشار الإشاعة، عندما يغيب الخبر اليقين من مصدره الرسمي، يمتلئ الفراغ بـ “الأخبار الزائفة” والاتهامات، مما يخلق جواً من عدم الثقة بين الساكنة والمؤسسات.
زيادة على إضعاف الرقابة الشعبية التي من المفترض أن تمارسها صحافة القرب باعتبارها “عين المجتمع”. فضلا عن أن احتكار المعلومة يمنع تقييم المشاريع التنموية، مما قد يغطي على اختلالات تدبيرية أو حالات فساد، وبالتالي تعطيل وتيرة التنمية.
وبما أن المعلومة هي عصب الاقتصاد، فإن غياب الشفافية في المعطيات المحلية يجعل المستثمر متخوفاً من ضبابية المشهد، مما يحرم الإقليم والجهة من فرص حقيقية لخلق الثروة وفرص الشغل. فيما يؤدي غياب التواصل الشفاف إلى فقدان المواطن للثقة في جدوى المشاريع المحلية، وتضعف بالتالي المشاركة المواطنة في الشأن العام.
إن تحويل صحافة القرب من “صحافة مناسبات” إلى “شريك تنموي” يتطلب تغييراً جذرياً في عقليات بعض المسؤولين، من أجل الانتقال من منطق “الوصاية على المعلومة” إلى منطق “الخدمة العمومية والشفافية”، لأن التنمية الحقيقية لا تنجح في الغرف المغلقة.

