بقلم:مدير إعدادية متقاعد ذ.عبد الرحمان سوسو
في زمنٍ يعتقد فيه البعض أن التميز حكرٌ على المدن الكبرى، وأن التألق لا يولد إلا بين جدران المؤسسات الراقية والإمكانات الضخمة، تأتي التلميذة المجدة خديجة بومليك، ابنة الثانوية الإعدادية الطلوح بالمديرية الإقليمية بقلعة السراغنة، لتعلن بصوتٍ واثق أن في النهر ما لا يوجد في البحر، وأن في قرى المغرب ومداشره طاقاتٍ قادرة على صناعة المجد ورفع راية الوطن عاليا.
لقد تمكنت هذه التلميذة المتألقة، وهي تتابع دراستها بالسنة الأولى ثانوي إعدادي، من انتزاع المرتبة الأولى وطنيا في مسابقة تحدي القراءة العربي، وهو إنجاز تربوي وثقافي عظيم لا يمثل نجاحا فرديا فحسب، بل يعد انتصارا حقيقيا للمدرسة العمومية، ورسالة قوية تؤكد أن التميز لا يرتبط بالمكان، بل بالإرادة والاجتهاد والعزيمة والإيمان بالحلم.
إن هذا التتويج المشرق يبعث الأمل في نفوس آلاف التلاميذ والتلميذات بالعالم القروي، ويؤكد أن الطريق نحو النجاح لا يُعبد بالترف، بل بالكد والجد والصبر والمثابرة.
فكم من عبقريات وطاقات دفينة تنام في القرى والجبال والهوامش، لكنها تحتاج فقط إلى من يؤمن بها، ويمنحها فرصة الانطلاق.
خديجة بومليك لم تحمل معها إلى منصة التتويج سوى عشقها للقراءة، وشغفها بالمعرفة، وإصرارها على التفوق.
لم تستسلم لضعف الإمكانيات، ولم تجعل من بعدها عن المدن عائقا أمام أحلامها، بل حولت القراءة إلى جسرٍ عبرت به نحو المجد، لتصبح اليوم سفيرة للمغرب في نهائيات المسابقة العربية بدولة الإمارات العربية المتحدة.
إنها لحظة فخر واعتزاز لكل أسرة التعليم، ولكل الغيورين على المدرسة العمومية، ولكل أبناء العالم القروي الذين يثبتون في كل مرة أنهم قادرون على صنع المعجزات متى توفرت الإرادة.
كما أن هذا الإنجاز يسلط الضوء على الدور الكبير الذي يقوم به الأطر التربوية والإدارية بالمؤسسات التعليمية القروية، تلك الجنود التي تشتغل في صمت وإخلاص، وتصنع الأمل وسط التحديات والإكراهات.
إن القراءة ليست ترفا، بل هي مفتاح النهضة وبوابة الوعي والرقي. وكل طفل يحمل كتابا إنما يحمل مشروعا لمستقبل أفضل.
لذلك فإن تجربة خديجة يجب أن تتحول إلى مصدر إلهام للناشئة المغربية أينما وجدت؛ في القرى، في المداشر، في الأحياء الشعبية، وفي المدن… لأن النجاح لا يسأل عن عنوان صاحبه، بل يسأل عن مدى إصراره على الوصول.
فإلى كل تلميذ وتلميذة: لا تسمحوا للظروف أن تهزم أحلامكم، ولا تجعلوا الهامش سجنا لطموحاتكم. اجعلوا من الاجتهاد طريقا، ومن القراءة نورا، ومن الصبر سلما نحو القمم. فالعالم اليوم لا يعترف إلا بالمجتهدين، والمتسلحين بالعلم والمعرفة.
هنيئا للتلميذة خديجة بومليك بهذا الإنجاز الباهر، وهنيئا للثانوية الإعدادية الطلوح، وهنيئا للمديرية الإقليمية بقلعة السراغنة، وهنيئا للمغرب بهذه النماذج المضيئة التي تؤكد أن الوطن مازال بخير ما دام فيه أبناء يصنعون الأمل من قلب المعاناة، ويكتبون أسماءهم بحروف من نور في سجل التميز والإبداع.
