Sign Up to Our Newsletter

Be the first to know the latest updates

[mc4wp_form id=195]
رأي

اطلالة الجمعة ..العيد الأممي: المرجعيات والدلالات

بقلم ذ:عبد الرحمان سوسو

يشكل فاتح ماي، أو ما يعرف بـ”العيد الأممي للشغل”، واحدة من أبرز المحطات النضالية والرمزية في التاريخ الإنساني المعاصر، لما يحمله من معاني الكرامة والعدالة الاجتماعية والدفاع عن حقوق الشغيلة والكادحين.

وليس هذا اليوم مجرد مناسبة احتفالية عابرة، بل هو محطة تاريخية تستحضر مسارا طويلا من التضحيات والمعارك الاجتماعية التي خاضتها الطبقة العاملة عبر العالم من أجل تحسين شروط العيش والعمل وترسيخ قيم الحرية والمساواة والإنصاف.

لقد تحول فاتح ماي مع مرور الزمن إلى رمز كوني للتضامن الإنساني بين العمال والشعوب، وإلى فضاء للتعبير عن المطالب الاجتماعية والاقتصادية، وعن التطلع إلى عالم أكثر عدالة وإنسانية.

الجذور التاريخية للعيد الأممي:

تعود جذور هذا العيد إلى النضالات العمالية التي شهدتها شيكاغو سنة 1886، حين خرج آلاف العمال في مظاهرات وإضرابات واسعة للمطالبة بتحديد ساعات العمل في ثماني ساعات يوميا بدل ظروف الاستغلال القاسية التي كانت سائدة آنذاك. وقد واجهت السلطات تلك الاحتجاجات بالقمع والعنف، وسقط خلالها عدد من الضحايا فيما عرف تاريخيا بأحداث “هايماركت”.

ومنذ ذلك التاريخ، أصبح فاتح ماي يوما رمزيا للحركة العمالية العالمية، حيث أعلنت الأممية الاشتراكية الثانية سنة 1889 اعتماد الأول من ماي يوما عالميا للتضامن العمالي وتخليدا لنضالات العمال.

ومن هنا اكتسب العيد الأممي بعده الكوني، باعتباره مناسبة تتجاوز الحدود الجغرافية والاختلافات الثقافية، لتوحد الطبقات الشغيلة حول قيم مشتركة قوامها الكرامة والحق في العمل اللائق والعدالة الاجتماعية.

المرجعيات الفكرية والسياسية للعيد الأممي :

يحمل العيد الأممي للشغل مرجعيات متعددة ومتقاطعة، تتداخل فيها الأبعاد الحقوقية والاجتماعية والسياسية والإنسانية.

أولا: المرجعية الحقوقية

يرتكز فاتح ماي على منظومة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي تعتبر العمل حقا أساسيا من حقوق الإنسان، كما تنص على ذلك المواثيق الدولية، وفي مقدمتها منظمة العمل الدولية التي جعلت من العمل اللائق والعدالة الاجتماعية مدخلا أساسيا للاستقرار والتنمية.

ثانيا: المرجعية النقابية

يمثل هذا اليوم تتويجا لمسار طويل من العمل النقابي المنظم، الذي لعب دورا محوريا في الدفاع عن حقوق العمال، وتحقيق مكاسب اجتماعية مهمة كالتغطية الصحية والتقاعد والتعويضات والحريات النقابية وتحسين الأجور وظروف العمل.

ثالثا: المرجعية الفكرية التقدمية

ارتبط فاتح ماي تاريخيا بالفكر التقدمي والديمقراطي الذي دافع عن قيم التحرر والإنصاف ومحاربة الاستغلال والاحتكار. لذلك شكلت الأحزاب التقدمية والاشتراكية عبر العالم رافعة أساسية لدعم قضايا العمال والفئات الشعبية.

وفي هذا الإطار، ظل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وفيا لتاريخه النضالي في الدفاع عن قضايا الشغيلة المغربية، ارتباطا بمشروعه الديمقراطي الحداثي الداعي إلى بناء دولة العدالة الاجتماعية والكرامة والمساواة.

الدلالات الإنسانية والاجتماعية لفاتح ماي :

لا يمكن اختزال فاتح ماي في بعده النقابي فقط، لأنه يحمل دلالات إنسانية عميقة، أبرزها:

1. الاعتراف بقيمة العملفالعمل ليس مجرد وسيلة للكسب، بل هو قيمة إنسانية نبيلة تساهم في بناء المجتمعات وتحقيق التنمية وصيانة الكرامة.

2. ترسيخ ثقافة التضامنيذكرنا العيد الأممي بأن المجتمعات القوية هي التي تبنى على التضامن والتكافل والإنصاف، لا على الاستغلال والتفاوتات الفاحشة.

3. الدفاع عن العدالة الاجتماعيةلا يمكن تحقيق الاستقرار الحقيقي دون عدالة اجتماعية تضمن تكافؤ الفرص والعيش الكريم والحماية الاجتماعية.

4. استحضار تضحيات الحركة العماليةفاتح ماي هو أيضا لحظة وفاء لذاكرة المناضلين والعمال الذين قدموا التضحيات الجسام من أجل الحقوق والحريات.

فاتح ماي والتحولات المعاصرةاليوم:

تواجه الطبقة العاملة عبر العالم تحديات جديدة فرضتها التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والعولمة، من قبيل:هشاشة الشغل.البطالة المتزايدة.اتساع الفوارق الاجتماعية.تراجع القدرة الشرائية.

تأثير الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي على سوق الشغل:

وهو ما يجعل من العيد الأممي مناسبة لتجديد النقاش حول مستقبل العمل، وحول ضرورة بناء نموذج تنموي أكثر عدالة وإنصافا يضع الإنسان في صلب السياسات العمومية.

كما أظهرت الأزمات الدولية المتلاحقة، من جائحة COVID-19 إلى الأزمات الاقتصادية العالمية، أهمية الدور الحيوي الذي تضطلع به الطبقات العاملة في استمرارية الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

العيد الأممي في المغرب:

في المغرب، يشكل فاتح ماي محطة نضالية بامتياز، حيث تخلده المركزيات النقابية والأحزاب السياسية بتنظيم مسيرات ووقفات وخطابات تستعرض حصيلة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وتطرح المطالب المرتبطة بتحسين أوضاع الشغيلة وصيانة المكتسبات الاجتماعية.

كما يمثل هذا اليوم مناسبة لتعزيز الحوار الاجتماعي باعتباره آلية أساسية لتحقيق التوازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية وحقوق العمال.وقد حققت الحركة النقابية المغربية عبر عقود من النضال مكاسب مهمة، غير أن التحديات لا تزال قائمة في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة، مما يستدعي نفسا إصلاحيا جديدا يقوم على الإنصاف والحوار والمسؤولية المشتركة.

خاتمة:

إن العيد الأممي للشغل ليس مجرد ذكرى تاريخية، بل هو مدرسة للنضال الإنساني وقيم التضامن والكرامة والعدالة. إنه موعد سنوي لتجديد الوفاء لقضايا الإنسان العامل، وللتأكيد على أن التنمية الحقيقية لا تقاس فقط بالأرقام والمؤشرات الاقتصادية، بل بمدى احترام كرامة الإنسان وضمان حقوقه الأساسية.

وفي عالم تتسارع فيه التحولات وتتعمق فيه الفوارق، يبقى فاتح ماي نداء متجددا من أجل بناء مجتمع أكثر عدالة وإنصافا، مجتمع تكون فيه قيمة الإنسان فوق كل اعتبار، وتكون فيه الحرية والكرامة والعمل اللائق حقوقا مصونة للجميع.

أخبار تساوت

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AKHBARTASSAOUT @2023. All Rights Reserved.