قلعة السراغنة – صالح رشيد
في سياق التحولات العميقة التي تشهدها منظومة العدالة، احتضنت قاعة الندوات بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بقلعة السراغنة التابعة لجامعة القاضي عياض، صبيحة يوم الجمعة 24 أبريل 2026، أشغال ندوة وطنية كبرى موسومة بـ: “المنطق القانوني في التحول الإجرائي”.
هذا المحفل العلمي الوازن، الذي نُظم بمبادرة من “مختبر القانون والعدالة” و”شعبة القانون الخاص”، بشراكة مع الكلية والمركز الدولي للبحث العلمي والمجتمع المدني، جمع ثلة من الأكاديميين، الأساتذة الباحثين، والخبراء في الحقل القانوني، لتسليط الضوء على الإشكاليات التقاطعية بين القواعد الإجرائية والتطور التكنولوجي، وكيفية صياغة حكامة تشريعية توازن بين الفعالية وضمانات المحاكمة العادلة.
سياق وطني ورهانات استراتيجية
انطلقت الجلسة الافتتاحية، التي ترأسها الدكتور عبد المالك مقور، بكلمات ترحيبية وتأطيرية للسيد عميد الكلية، ورئيس شعبة القانون الخاص، ومديرة مختبر القانون والعدالة، أجمعت على أهمية راهنية الموضوع. فالطفرة التكنولوجية التي يشهدها المغرب تفرض تحديات كبرى على مرفق العدالة، مما يحتم تحديث الترسانة القانونية والانتقال نحو رقمنة الممارسات المهنية والقضائية.
وقد استهدفت الندوة دراسة هذا التحول الإجرائي من خلال أربعة محاور أساسية، ركزت على تطوير القواعد الإجرائية في المجالين المدني والجنائي، أثر التحول الرقمي على القاعدة القانونية، والتحديات الأخلاقية والقانونية التي تمس قيم المجتمع وحقوق المتقاضين.
مقاربات علمية في المادتين المدنية والتجارية
شكلت الجلسة العلمية الأولى، التي ترأستها الدكتورة حنان السكتاوي، منصة لتشريح مستجدات قانون المسطرة المدنية والقضاء التجاري. حيث قارب الدكتور عبد المالك مقور موضوع “القضاء التجاري بين الإشكال القانوني والقضائي والمستجد التشريعي”، تلاه الدكتور نور الدين الرحالي بمداخلة حول “التقاضي الشخصي في قانون المسطرة المدنية: الضمانات والمخاطر”.
وتعميقاً للنقاش حول الرقمنة، قدم الدكتور أبا خليل ورقة علمية تناولت “التحول الرقمي في ضوء المستجدات التشريعية الإجرائية”، في حين تطرق الدكتور هشام العلالي لـ”التحول الإجرائي في ظل الرقمنة القضائية”. ولم يغب تحدي الذكاء الاصطناعي عن النقاش، حيث قدم الدكتور رضوان جيراني من جامعة ابن زهر رؤية استشرافية حول “المسؤولية المدنية عن أضرار الذكاء الاصطناعي وإعادة بناء قواعد الخطأ والضرر”. كما شهدت الجلسة مشاركات قيمة لباحثين شباب، من قبيل مداخلة الباحث وليد ابيهة المشتركة مع دة. السكتاوي حول المساطر الاستعجالية، ومداخلة الباحثة إلهام العوني حول ضوابط الاختصاص الضمني في المادة التجارية.
العدالة الجنائية في قلب الإصلاحات الإجرائية
خلال الجلسة الثانية التي أدارها الدكتور محمد لهروال، انتقلت بوصلة النقاش نحو المسطرة الجنائية. وافتتح الدكتور عبد العزيز العوادي الجلسة بتسليط الضوء على “مستجدات قانون المسطرة الجنائية خلال مرحلة البحث والتحري عن الجرائم”. كما تناول الأستاذ يوسف المسكيني “التحقيق المالي الموازي كدعامة في مكافحة غسل الأموال”.
وتقاطعاً مع التوجهات الحديثة للسياسة الجنائية، استعرض الدكتور محمد لهروال مستجدات مشروع القانون رقم 03.23، باحثاً عن نقط التوازن بين حقوق الدفاع، حماية الضحايا، والتحديث القضائي. وتوالت المداخلات لتشمل تقييم إيقاع إصلاح المسطرة الجنائية لحقوق الدفاع (الأستاذ سعيد عبد الرحمن بنخضرة والباحث زكرياء جكاني)، و”رقمنة العدالة الجنائية” من تقديم الأستاذ الشرقاوي القرقار. واختتمت الجلسة بمداخلات حول دور القاضي المتدخل في مساطر صعوبات المقاولة (الأستاذ حميدا جمال)، والمركز المحوري للضحايا في الإصلاح الجديد (دكتورة فاطمة الزهراء بوسنة والباحث حاتم حقي).
تنظيم محكم وآفاق واعدة لحل المنازعات
لم يكن لهذا العرس الأكاديمي أن يكتمل لولا الجهود الحثيثة للجنة العلمية واللجنة التنظيمية، واللتين تميزتا بانخراط استثنائي لطلبة الماستر والباحثين بسلك الدكتوراه، الذين سهروا على توفير كافة الشروط اللوجستية والتنظيمية لإنجاح التظاهرة.
خلاصة وتوصيات:
اختتمت الندوة بتسجيل مجموعة من الخلاصات الجوهرية، لعل أبرزها أن تدبير المنازعات ورقمنة المساطر ليسا مجرد تحديث تقني، بل هما إعادة صياغة لـ “الحكامة” القضائية والتشريعية بما يضمن سرعة البت دون المساس بالمحاكمة العادلة. وقد أوصى المشاركون بضرورة مواصلة هذا النقاش البنّاء بين الجامعة ومحيطها السوسيو-مهني، وتكثيف الجهود لاستشراف قوانين قادرة على استيعاب الثورة الرقمية وتأطير تطبيقاتها، حمايةً للمتقاضين وتكريساً للأمن القانوني والقضائي بالمملكة.









