اقتصاد

هذا ماقاله الدكتور عبد الرحيم بلفقيرة رئيس نقابة صيادلة مدينة قلعة السراغنة في حوار حصري مع “أخبار تساوت” حول الجدل القائم بين مهنيي قطاع الصيدلة ومجلس المنافسة

حاوره: محمد لبيهي

في سياق الجدل الناتج عن النقاش الجاري على الصعيد الوطني بين مهنيي قطاع الصيدلة ومجلس المنافسة،والذي تطور إلى دعوة كنفدرالية نقابات صيادلة المغرب عموم المهنيين إلى وقفة احتجاجية وطنية حاشدة أمام مقر مجلس المنافسة بالرباط يوم 9 من أبريل المقبل تعبيرا عن رفضها لما ورد في رأي المجلس ذاته عدد 6/25 حول وضعية المنافسة بأسواق توزيع الأدوية.اتصلنا بالدكتور الصيدلاني عبد الرحيم بلفقيرة رئيس صيادلة مدينة قلعة السراغنة، لتوضيح أسباب الخلاف نورد ردوده عن أسئلتنا في الحوار التالي:

ماهي أسباب وحقيقة خلافكم مع ما جاء به مجلس المنافسة في ما يعتبر بإعادة تنظيم قطاع الصيدلة؟

في البداية اسمحوا لي أن أذكر بالسياق الذي جاء فيه هذا الجدال. قبل سنة 2013،تشكلت لجنة تقصي برلمانية للنظر في أسعار الأدوية وخلصت إلى عدة اختلالات في أسعارها بالمقارنة بين المختبرات المصنعة والمستوردة بالمغرب وبين نفس الأدوية بالعديد من الدول.

إثر ذلك صدر مرسوم سنة 2014 يضبط كيفية تحديد أسعار الأدوية بالمغرب من خلال المقارنة مع ستة دول وهي : فرنسا، تركيا، إسبانيا، المملكة العربية السعودية، البرتغال وبلجيكا.و بما أن دخل الصيادلة يعتمد فقط على هامش الربح الخام المحدد آنذاك في نسبة 30 %، فإن أي تخفيض في سعر الأدوية سيؤدي لا محالة إلى آثار سلبية على الصيدلية ويهدد توازناتها المالية خاصة أمام ارتفاع تكاليف التسيير (الأجور، التعويضات، الاقتطاعات الضريبية، الكراء، …..).

بسبب هذا الإشكال وعدت وزارة الصحة في عهد الحكومة الأولى للعدالة والتنمية، ممثلي نقابات الصيادلة باعتماد إجراءات مصاحبة معمول بها بدول المقارنة السالفة الذكر لتعويض النقص في دخل الصيدلية الناتج عن تراجع ثمن الدواء. من بين الإجراءات المصاحبة أذكر :

إسناد مهام للصيدلي معوض عنها من طرف صناديق التأمين في إطار تتبع الأمراض المزمنة والوقاية منها، مثل الكشف التوجيهي عن بعض الأمراض المزمنة (داء السكري، ارتفاع الضغط الدموي، تجديد مؤطر بعد استشارة الطبيب المعالج لبعض الوصفات الطبية المزمنة، التعويض على الحراسة، القيام ببعض التلقيحات، … علما أن جل هذه الخدمات يقدمها الصيادلة في إطار ممارستهم بالمجان ومن دون اعتراف لهم من طرف الوزارة الوصية بذلك.

هذه الإجراءات المصاحبة لمرسوم 2014 لتحديد سعر الدواء ظلت ضمن ملف مطلبي، من حوالي 22 نقطة، لجميع نقابات الصيادلة بالمغرب ، دون الاستجابة لأي منها إلى يومنا هذا. خلال السنة الفارطة (2025) قررت وزارة الصحة من جديد إعادة النظر في مرسوم تحديد سعر الأدوية. وكان لنقابات الصيادلة رأي يهدف إلى تحقيق الأهداف المتوخاة من المرسوم دون آثار سلبية على قطاع الصيدليات.

ومن بين مقترحات الصيادلة أذكر العمل على خفض أسعار الأدوية مرتفعة الثمن والتي تستعمل في الأمراض المزمنة والخطيرة حيث تمثل حوالي 157 دواء تستنزف صناديق التأمين بنسبة حوالي 70 % من كلفة الأدوية المستهلكة.

هذه الأدوية تباع مباشرة من طرف المختبرات التي تتخذ حوالي 50 أو 60 صيدلية على الصعيد الوطني كنقط لبيعها، إضافة إلى بعض المصحات، في خرق سافر للقانون 17-04 المنظم لمهنة الصيدلة والدواء والمنافسة الشريفة التي ينص عليها القانون وأخلاقيات المهنة.على إثر الإعداد الحكومة للمرسوم الجديد، عقد مجلس المنافسة مع هيئات الصيادلة ومختلف التمثيليات النقابية جلسات استماع حول مشروع المرسوم والإكراهات التي تعاني منها المهنة بالمغرب.

وقد تضمن تقرير مجلس المنافسة العديد من الاقتراحات تتطابق مع منظور الهيئات والتمثيليات النقابية لإيجاد حلول لمشاكل مهنيي قطاع الصيدليات لو لم يدرج توصية فتح رأس مال الصيدليات للخواص الغير الصيادلة.

هذه التوصية يشتم منها بداية توجه مؤسسي لتفويت القطاع برمته للخواص الغير المهنيين وضرب النموذج الصيدلي الحالي الذي يعتبر قطاعا صحيا واجتماعيا بامتياز لأن القانون 17/04 يعتبر الصيدلية فضاء صحيا مفتوحا باستمرار في وجه العموم، تقدم داخله بالإضافة لصرف الأدوية، إرشادات ونصائح وخدمات جلها بالمجان … إلا أن ما جاء في تقرير مجلس المنافسة وما قاله رئيسه في الندوات الصحفية، يقزم بشكل مفضوح دور الصيدلي في المنظومة الصحية من خلال وصفه ببائع للأدوية دون اعتبار للأدوار الصحية والاجتماعية التي يقدمها الصيادلة داخل المنظومة الصحية.

ويستشف من خلال هذا التقرير تحاملا غير مفهوم على الصيادلة وعلى نموذج الصيدلية الاجتماعية في شكلها الحالي في محاولة لتحويلها إلى متاجر لبيع الدواء بين أيدي أصحاب رؤوس الأموال الذين لا يبحثون إلا على تحقيق أرباح مالية دون أي اعتبارات صحية أو اجتماعية.

دعا مجلس المنافسة إلى إدراج إعادة تنظيم النسيج الصيدلي ضمن النقاش العمومي، معتبرا أن ذلك سيكون أحد الحلول الرامية إلى تكريس استدامة النموذج الاقتصادي للصيدليات.ما هو رأيكم كمهنيين في هذا الاقتراح؟

سؤال مهم، لأن ذلك يستدعي من رئيس مجلس المنافسة مزيدا من التوضيح وما الهدف من فتح نقاش عمومي حول قطاع الصيدلة، الذي يعتبر قطاعا استراتيجيا وفضاء صحيا بامتياز قبل اعتباره فقط ضمن النسيج الاقتصادي الوطني. بالإضافة إلى ذلك القطاع مؤطر بالعديد من القوانين المنظمة والأخلاقيات المهنية، إلا أن جل هذه القوانين متقادمة أو تفتقد لمراسيم تطبيقية أو لا يتم تطبيقها بالصرامة المطلوبة، حتى أن الدواء أصبح يعتبر سلعة يتاجر فيها من هب ودب :

عدد من الجمعيات، بعض الجماعات الترابية، بعض العيادات الطبية والبيطرية، بعض المصحات، أحيانا بتواطؤ مع مستوردين أو مختبرات لصناعة الأدوية. عن أي نقاش عمومي يتحدث السيد رئيس مجلس المنافسة في ظل هذا الهجوم على قطاع الصيدليات الذي يعاني أصلا من المنافسة الغير القانونية ؟حاليا الأجدر لإصلاح القطاع هو البدء بالتنزيل السليم والناجع للقوانين المؤطرة للمهنة، لأن نسبة كبيرة من أسباب الأزمة الاقتصادية والمعنوية لدى المهنيين أصلها يعود إلى تفشي الفوضى وغياب الإرادة بخصوص تنزيل وتطبيق القانون.

أعتبر أن النقاش العمومي قائم بين المهنيين وبينهم وبين الوزارة الوصية وكل المتدخلين في القطاع منذ أزيد من عقد ونصف من الزمن. بالإضافة إلى ذلك فإن طبيعة القطاع كونه صحيا وعلميا فأي نقاش حوله لن يجدي إلا بتأطيره داخل دائرة المهنيين أنفسهم وذوي الاختصاص في المجال، بعيدا عن الشعبوية وأي محاولة لتبخيس مهنة صحية واجتماعية، شريفة وعريقة.

من بين توصيات مجلس المنافسة مطالبته بـ “إعادة النظر في هيكلة النسيج الصيدلي الوطني بكيفية تدريجية ومؤطرة، من خلال تشجيع تطوير صيغ التنظيم والتجميع بين الصيدليات. كيف ترون هذه التوصية وهل لديكم اقتراحات توازن بين موقف مجلس المنافسة وموقف نقابات الصيادلة؟

خلال جلسات الاستماع المنظمة من طرف مجلس المنافسة، قدم المجلس الوطني والمجلسين الجهويين والتمثيليات النقابية، دراسات وتقارير شاملة ومتكاملة حول قطاع الصيدليات والمشاكل التي يعاني منها واقترحوا كذلك حلولا تشكل ملفا مطلبيا متكاملا معروضا أمام الوزارة الوصية منذ عقد ونصف من الزمن، لإخراج القطاع من الأزمة. ذلك التشخيص جاء مجملا في تقرير مجلس المنافسة، لكن رأيه وتوصياته حول النموذج الاقتصادي للصيدلية أسس على العديد من التناقضات : – التقرير يقر بكثافة مرتفعة لعدد الصيدليات والصيادلة مقارنة بما توصي به المنظمة العالمية للصحة وفي نفس الوقت يوصي بالمزيد من الصيدليات، رغم أن الصيدليات تتواجد في كل المداشر حتى في تلك التي لا يوجد بها طبيب أو مستوصف (تغطية 94 % من التراب الوطني حسب التقرير نفسه). – يقر كذلك بتقاعس كبير في فرض احترام وتنزيل القوانين التي تحمي ممارسة مهنة الصيدلة، ومع ذلك يوصي باستنساخ نماذج هجينة مستوردة من دول غربية فيها احترام صارم للقوانين المنظمة للمهنة والمنافسة ومحاطة بالعديد من الضمانات. بالرغم من أن جل نماذج المقارنة التي أدرجت في تقرير مجلس المنافسة أبانت عن محدوديتها، بحيث تسببت في إغلاق العديد من الصيدليات وبالتالي بروز ما يسمى بالتصحر الصيدلي أي أن أحياء وأحيانا قرى ومدن صغيرة أصبحت بدون صيدليات.- يقر بوجود عدد كبير من الصيدليات والخريجين الجدد والعديد من الطلبة بكليات الصيدلة ومع ذلك يرفض أي تدخل لوضع ضوابط تمكن من تحقيق توازن بين العرض والطلب طبقا لتوقعات مستقبلية واقتراح مجالات جديدة لاستيعاب الخرجين مستقبلا عوض التوجه الحصري حاليا ألا وهو فتح صيدليات بدون أفق.إن القانون 17/04 في المادة 63 ينص على أن مجموعة من الصيادلة يمكن أن يؤسسوا شركة تضامن بينهم بغرض استغلال صيدلية ولا يمكن لأي منهم أن يمتلك بصفة شخصية صيدلية أخرى أو أن يكون شريكا فيها.

كما يشير الفصل 108 من نفس القانون إلى وجوب توظيف صيدلي إضافي بكل صيدلية يفوق رقم معاملاتها 3,5 مليون درهم وصيدليين إذا تجاوز هذا الرقم 5,5 مليون درهم … أما توصية التجميع بين الصيدليات فهذا معناه إغلاق عدد كبير من الصيدليات الصغيرة والمتوسطة (99 %) وبالتالي خلق أزمة الولوج للدواء لدا العديد من السكان، خاصة إذا ما تم فتح رأس مال الصيدليات أمام المستثمرين غير الصيادلة، الذين همهم الوحيد هو الربح ولو على راحة أو صحة المواطن.

فيما يخص رأيي الشخصي، الخلاف الرئيسي والجوهري مع تقرير مجلس المنافسة يوجد في التوصية التي تدعو إلى فتح رأس مال الصيدليات في وجه الخواص الغير الصيادلة، لأن ذلك فيه تهديد لاستقلالية القرار والضمير المهني للصيدلي اللذان يحكمان الممارسة العلمية والأخلاقية السليمة لمهنة الصيدلة حفاظا على صحة وسلامة المواطن بدلا من البحت عن صيغ لتنمية الأرباح وتنمية ثروات أصحاب رؤوس الأموال واستنزاف جيوب المواطنين وصناديق التأمين. كما أن تلك التوصية إذا ما تمت ستأدي لا محالة إلى المزيد من الاحتكار وتضارب المصالح من خلال التحكم في سلسلة التوزيع انطلاقا من المصنع الأمر الذي يهدد الصيدلية في شكلها الحالي بالاندثار وتهديد العديد من الأسر بالبطالة والتشرد، سواء كانوا صيادلة أو مساعديهم. وهذا ما تعاني منه البلدان التي اعتمدت مثل هذه الصيغ التنظيمية لقطاع الصيدليات في أوروبا وأمريكا حيث رغم وجود قوانين ومؤسسات مستقلة تسهر على احترام التنافس الشريف، فإن عددا كبيرا من الصيدليات تغلق أبوابها بصفة نهائية كل سنة، الأمر الذي يتسبب في صعوبة ولوج المواطنين للدواء.

حاليا مهنة الصيدلة في المغرب، في حاجة إلى:

– الإسراع بإخراج النصوص التنظيمية لهيأة الصيادلة، ووضع جدول زمني لانتخاب الهيئات الجهوية والوطنية للمهنة

– تحيين القوانين المتقادمة مثل ظهير 1922

– الرفع من عدد الصيادلة المفتشين وتوزيعهم على الجهات والأقاليم، وتمكينهم من مراقبة جميع الأماكن التي يوجد فيها الدواء والمواد الصيدلية، والسبه صيدلية

– تتبع عدد الصيادلة والطلبة سواء بالجامعات الوطنية أو بالخارج، للموازنة بين العرض والطلب في مجال الصيدليات، فمثلا في مدينة قلعة السراغنة معدل كثافة الصيدليات بالنسبة لعدد السكان تجاوز بكثير المعدل الوطني، حيث توجد حاليا 60 صيدلية ل 106000 نسمة أي 1766 نسمة لكل صيدلية عوض 2700 ن/صيدلية كمعدل وطني حسب تقرير مجلس المنافسة، بينما منظمة الصحة العالمية توصي بمعدل 5000 ن / صيدلية !

– تحيين التكوينات الجامعية وملاءمتها مع تطور السوق والممارسة المهنية، – بدلا من فتح صيدليات بدون أفق يجب مواكبة الصيادلة الجدد وخلق مناصب لتوظيف عدد منهم بالقطاعين العام والخاص: لأن الصيدلي له تكوين عالي يمكنه من الولوج إلى العديد من المجالات، بالإضافة إلى صناعة الأدوية، الصناعات الكيماوية والصناعة الغذائية، مراقبة الجودة في العديد من سلاسل الإنتاج، التعليم العالي والصيادلة الاستشفائيين بالمستشفيات والمصحات، المكتب الوطني للسلامة الصحية والغذائية، الجمارك، ….

– الصيادلة لا يطالبون بمساعدات أو دعم من الحكومة كما جاء على لسان السيد رئيس مجلس المنافسة، إلا أن عدم احترام القوانين المنظمة للمهنة وتعدد المتطفلين على المهنة، يتسبب في ضياع أزيد من 30 % من رقم معاملات الصيدليات .

محمد لبيهي

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AKHBARTASSAOUT @2023. All Rights Reserved.