عبد الرحمان سوسو
تشكل مؤسسات الرعاية الاجتماعية في المغرب ركيزة أساسية في منظومة التضامن الاجتماعي، إذ توفر فضاءات للاحتضان والدعم لفئات واسعة من المجتمع، من بينها الأطفال في وضعية صعبة، والتلاميذ المنحدرون من مناطق قروية بعيدة الذين يجدون في دور الطالب والطالبة فرصة لمتابعة دراستهم في ظروف مقبولة، إضافة إلى مؤسسات رعاية المسنين والأشخاص في وضعية إعاقة.
ولهذا فإن الدور الذي تضطلع به هذه المؤسسات يتجاوز مجرد الإيواء إلى الإسهام في تحقيق تكافؤ الفرص والاندماج الاجتماعي.غير أن التجربة الطويلة في تدبير هذه المؤسسات، والتي اعتمدت في جزء كبير منها على العمل الجمعوي والتطوعي، كشفت عن مجموعة من التحديات المرتبطة أساساً بتفاوت مستوى التسيير وضعف الإمكانيات، فضلاً عن غياب إطار مؤسساتي موحد قادر على تأطير هذا القطاع الحيوي وتطويره.
فبعض المؤسسات استطاعت أن تقدم خدمات جيدة بفضل كفاءة القائمين عليها وروح التطوع، بينما عانت أخرى من صعوبات مالية وتنظيمية أثرت في جودة الخدمات المقدمة للمستفيدين.
من هنا يبرز التفكير في إحداث وكالة وطنية لتسيير مؤسسات الرعاية الاجتماعية باعتباره خطوة إصلاحية مهمة تروم إرساء حكامة جديدة لهذا القطاع، تقوم على التخطيط والتنسيق وتوحيد المعايير، بما يضمن تحسين جودة الخدمات وتكافؤ الفرص بين مختلف المؤسسات والمستفيدين منها.
إن من أبرز الإضافات التي يمكن أن تحققها هذه الوكالة توحيد معايير التدبير والتأطير داخل مؤسسات الرعاية الاجتماعية، سواء على مستوى شروط الإيواء والتغذية، أو على مستوى التأطير التربوي والاجتماعي، إضافة إلى وضع برامج للتكوين المستمر لفائدة الأطر المشرفة على هذه المؤسسات.
كما يمكن للوكالة أن تضطلع بدور مهم في توفير الدعم المالي والتقني المنتظم لهذه المؤسسات، بما يضمن استقرارها واستمرارية خدماتها بعيداً عن منطق الارتجال أو الاعتماد المفرط على التبرعات الظرفية.غير أن أحد الأبعاد الأساسية لهذا الإصلاح يكمن أيضاً في تحصين مؤسسات الرعاية الاجتماعية من الصراعات الانتخابية والحسابات الضيقة.
فهذه المؤسسات وجدت أساساً لخدمة فئات اجتماعية في وضعية هشاشة، ولا ينبغي أن تتحول إلى فضاءات للتوظيف السياسي أو أدوات للاستقطاب الانتخابي.
إن إسناد تدبير هذا القطاع إلى إطار مؤسساتي وطني واضح المعالم يمكن أن يسهم في إرساء قدر أكبر من الحياد والشفافية، ويضمن أن تظل هذه المؤسسات وفية لرسالتها الإنسانية والاجتماعية النبيلة.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن يُفهم إحداث وكالة وطنية لتسيير مؤسسات الرعاية الاجتماعية على أنه تقليص لدور المجتمع المدني، بل يمكن أن يشكل فرصة لإرساء شراكة متوازنة بين الدولة والجمعيات، تقوم على توزيع واضح للأدوار، حيث تتكفل الوكالة بالتأطير والتخطيط والتمويل والمراقبة، بينما تواصل الجمعيات القيام بأدوارها التربوية والاجتماعية مستفيدة من الخبرة التي راكمتها عبر سنوات طويلة.
إن دمقرطة مؤسسات الرعاية الاجتماعية لا تعني فقط تطوير طرق تدبيرها، بل تعني قبل كل شيء ضمان كرامة المستفيدين منها، وتوفير شروط العيش الكريم داخلها، وجعلها فضاءات حقيقية للتربية والاندماج الاجتماعي.
فهذه المؤسسات ليست مجرد بنايات للإيواء، بل هي فضاءات لبناء الإنسان وتأهيله للمشاركة الإيجابية في المجتمع.وفي هذا الإطار، يمكن أن يشكل إحداث وكالة وطنية لتسيير مؤسسات الرعاية الاجتماعية خطوة نوعية في اتجاه بناء منظومة اجتماعية أكثر عدلاً وفعالية، قادرة على مواكبة حاجيات الفئات الهشة، وعلى تحويل هذه المؤسسات من فضاءات للإحسان الظرفي إلى مؤسسات اجتماعية قائمة على مبادئ الحكامة والحقوق والكرامة الإنسانية.
إن الرهان الحقيقي اليوم ليس فقط في إحداث مؤسسة جديدة، بل في إنجاح هذا الورش الإصلاحي بما يضمن حماية مؤسسات الرعاية الاجتماعية من كل أشكال التوظيف الضيق، وترسيخ رسالتها النبيلة كفضاءات للتضامن والإنصاف وتكافؤ الفرص.

