✍️ عصام رشيد : طالب باحث بماستر الحكامة القانونية الرقمية وحماية المعطيات
كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بقلعة السراغنة
لم يعد التقاضي الإلكتروني في المغرب مجرد تصور نظري أو شعار إصلاحي، بل أصبح مسارًا مؤسساتيًا يتجسد تدريجيًا في خدمات رقمية قائمة فعلاً، من بينها منصة المحامي التي تتيح إيداع المقالات وأداء الرسوم القضائية إلكترونيًا، إلى جانب خدمات تتبع ملفات القضايا وجدول الجلسات عبر البوابات الرسمية لوزارة العدل. وهذا التحول يكشف بوضوح أن العدالة المغربية دخلت مرحلة جديدة عنوانها: تقريب الخدمة القضائية من المواطن والمهني، وتخفيف العبء الزمني والإجرائي الذي كان يفرضه المسار الورقي التقليدي.
وقد تعزز هذا التوجه بشكل أوضح مع صدور القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية، المنشور في الجريدة الرسمية بتاريخ 23 فبراير 2026، والذي خصص القسم الحادي عشر من المادة 623 إلى المادة 639 لرقمنة المساطر والإجراءات القضائية. وينص هذا القسم على إمكانية إنجاز عدد من الإجراءات بطريقة إلكترونية، مع إحداث نظام معلوماتي لتدبير المساطر والإجراءات القضائية. كما تنص المادة 643 على دخول القانون حيز التنفيذ بعد ستة أشهر من تاريخ نشره؛ وبحساب هذا الأجل، يُنتظر أن يبدأ سريانه في حدود 23 أغسطس 2026. وهذا يعني أننا أمام انتقال تشريعي مهم من رقمنة جزئية لبعض الخدمات إلى بناء إطار قانوني متكامل للعدالة الرقمية.
في تقديري، تكمن أهمية هذا التحول في كونه لا يتعلق فقط باستعمال الحاسوب داخل المحكمة، بل بإعادة تصور العلاقة بين المتقاضي ومرفق العدالة. فوزارة العدل نفسها تعتبر أن الرقمنة ليست مجرد تحسين تقني، بل مدخلًا لتكريس عدالة قريبة من المواطن وأكثر شفافية ونجاعة، كما عرضت خلال GITEX Africa 2025 حلولًا رقمية تؤكد توجهها نحو عدالة ميسرة وسريعة ومتلائمة مع التطورات التكنولوجية. وعليه، فإن آفاق التقاضي الإلكتروني بالمغرب تبدو واعدة، خصوصًا من حيث تسريع الإجراءات، وتبسيط الولوج، وتقوية قابلية التتبع، والحد من بعض مظاهر البطء الإداري والإجرائي.
غير أن نجاح التقاضي الإلكتروني لا يقاس بعدد المنصات فقط، بل بمدى قوة الثقة القانونية التي تحيط بها. وهنا تبرز أهمية القانون رقم 53.05 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية، الذي يقرر أن الوثيقة الإلكترونية تتمتع من حيث المبدأ بنفس قوة الإثبات التي تتمتع بها الوثيقة الورقية متى أمكن التعرف قانونًا على مصدرها وضُمنت تماميتها، كما يعترف بالتوقيع الإلكتروني المؤمن والختم الزمني كوسيلتين ذواتي قيمة إثباتية معتبرة. وبالموازاة مع ذلك، يشكل القانون رقم 09.08 الإطار الأساسي لحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، وهو عنصر جوهري في أي عدالة رقمية مسؤولة، لأن الملفات القضائية بطبيعتها تتضمن بيانات شخصية وحساسة تحتاج إلى أعلى درجات الحماية والسرية.
لكن، ورغم هذا الأفق الإيجابي، فإن التحديات لا تزال حقيقية. من أبرزها رقمنة التبليغ القضائي، وهي نقطة حساسة لأن التبليغ ليس مجرد خطوة شكلية، بل ضمانة إجرائية تمس حق الدفاع والعلم بالإجراء. وليس من قبيل الصدفة أن تنظم وزارة العدل في يوليوز 2025 مائدة مستديرة خاصة بتحديات رقمنة التبليغ القضائي وآفاقه. كما يظل العنصر البشري عاملًا حاسمًا في نجاح هذا الورش؛ فالتكنولوجيا وحدها لا تكفي إذا لم تواكبها كفايات مهنية وتكوين مستمر للقضاة وكتاب الضبط والمحامين وباقي المهن القانونية والقضائية، وهو ما تؤكد عليه أيضًا خارطة طريق وزارة العدل للفترة 2025-2030.
ويضاف إلى ذلك تحدٍّ لا يقل أهمية، وهو الفجوة الرقمية. فرغم أن نسبة ولوج الأسر المغربية إلى الإنترنت بلغت 89.2% سنة 2024، فإن التفاوت ما يزال قائمًا بين الوسط الحضري 93.6% والوسط القروي 78.4%. وهذه الأرقام تعني أن تعميم التقاضي الإلكتروني، دون مواكبة اجتماعية وتقنية ومجالية، قد يخلق نوعًا جديدًا من اللامساواة في الولوج إلى العدالة. لذلك، فإن الرقمنة الناجحة ليست فقط رقمنة للنصوص والإجراءات، بل أيضًا رقمنة عادلة تضمن عدم إقصاء الفئات الأقل استفادة من البنية الرقمية.
خلاصة القول، إن التقاضي الإلكتروني بالمغرب يمثل اليوم فرصة إصلاحية حقيقية لبناء عدالة أكثر قربًا وفعالية وشفافية، لكنه في الوقت نفسه يضعنا أمام أسئلة جوهرية تتعلق بحماية المعطيات، وضمان الأمن القانوني، وتحقيق المساواة الرقمية، وتأهيل الموارد البشرية. ومن ثم، فإن الرهان لم يعد هو: هل نرقمن العدالة؟ بل أصبح: كيف نبني عدالة رقمية موثوقة، منصفة، وآمنة؟
المراجع المعتمدة
أولًا: النصوص القانونية
1. المملكة المغربية، ظهير شريف رقم 1.26.07 صادر في 22 من شعبان 1447 (11 فبراير 2026) بتنفيذ القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية، الجريدة الرسمية، العدد 7485، 5 رمضان 1447 (23 فبراير 2026).
2. المملكة المغربية، ظهير شريف رقم 1.07.129 صادر في 19 من ذي القعدة 1428 (30 نوفمبر 2007) بتنفيذ القانون رقم 53.05 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية، الجريدة الرسمية، العدد 5584، 25 ذو القعدة 1428 (6 ديسمبر 2007).
3. المملكة المغربية، ظهير شريف رقم 1.09.15 صادر في 22 من صفر 1430 (18 فبراير 2009) بتنفيذ القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، الجريدة الرسمية، العدد 5711، 27 صفر 1430 (23 فبراير 2009).
ثانيًا: المراجع الرسمية والمؤسساتية
4. وزارة العدل، منصة المحامي، البوابة الرسمية للخدمات الإلكترونية القضائية.
5. وزارة العدل، كل الخدمات، البوابة الرسمية لوزارة العدل بالمغرب.
6. وزارة العدل، بلاغ صحفي: العدالة الرقمية، وزارة العدل تستعرض منجزاتها الإلكترونية خلال معرض GITEX AFRICA 2025، 16 أبريل 2025.
7. وزارة العدل، بلاغ صحفي: وزير العدل، التحول الرقمي خيار استراتيجي لترسيخ دولة الحق والقانون، 17 يناير 2025.
8. وزارة العدل، وزارة العدل تنظم مائدة مستديرة رفيعة المستوى حول رقمنة التبليغ القضائي، 3 يوليوز 2025.
9. الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات، Enquête de collecte des indicateurs TIC auprès des ménages et des individus: Principaux résultats، يوليوز 2025.
10. وزارة العدل، دخول القانون رقم 03.23 الجديد للمسطرة الجنائية حيز التنفيذ يوم 8 دجنبر 2025، 8 دجنبر 2025.
ثالثًا: الدراسات والأبحاث الأكاديمية
11. زريق، مونية، المحاكمة الإلكترونية وسؤال المشروعية القانونية، مجلة منازعات الأعمال، مجلد 12، عدد 7، الإصدار 98، 2025.
12. نعمان، نرمين، مشروع قانون المسطرة المدنية رقم 02.23 ورهانات التحول نحو المحكمة الرقمية: رقمنة المساطر والإجراءات القضائية، مجلة منازعات الأعمال، مجلد 12، عدد 5، الإصدار 96، 2025.
13. الخياطي، محمد، التبليغ الإلكتروني في ضوء مشروع قانون المسطرة المدنية رقم 23.02، مجلة منازعات الأعمال، مجلد 12، عدد 5، الإصدار 96، 2025.
14. الخرساني، سامي عبد الجبار، الصعوبات القانونية والعملية في التقاضي عن بعد: المغرب نموذجًا، مجلة ابن خلدون للدراسات القانونية والاقتصادية والاجتماعية، مجلد 1، عدد 2، 2021.


Marouan
مارس 7, 2026مقال ممتاز منكم استاذي