بقلم ذ. البدالي صافي الدين
لما يتظاهر السياسي بالالتزام بقيم ومبادئ معينة لتحقيق مصالح شخصية أو أجندات خفية، مستعينا بالخداع والتضليل، ذلك هو الذي يؤدي إلى تقويض الثقة ويضر بالمصلحة العامة، وهو أيضا يعمل على تزييف الواقع عبر تبرير الفشل .
و يظهر النفاق السياسي في عملية الانتقاء في تطبيق القانون ، مما يؤدي إلى ازدواجية المعايير . و هو أيضا يتجلى في التناقض بين الخطاب والممارسة بالادعاء بالشفافية بينما تُخفى الحقائق، أو الدعوة للعدل بينما تُطبق معايير مزدوجة ، مما يفسد العدل و القيم الاخلاقية والإنسانية .
إن مناسبة هذا القول هو ما أصبحنا نعيشه في مدينتنا الجريحة ،قلعة السراغنة، التي تئن تحت وطأة التخلف الاجتماعي و الاقتصادي و التدهور العمراني والبيئي، ومما زادها بؤسا، و حكرة هو النفاق السياسي الذي أصبح العملة الرائجة في وسطها ، لأنها عملة كمدخل للوصولية و النفاق لكسب رضا المسؤولين أو رضا الزعيم أو عامل الإقليم الذي كلما تحرك تجدهم بجانبه، يستظلون بسلطته خوفا من سخط المواطن على الوضع الكارثي الذي يعيش فيه.
فالعامل يتحرك وفق أجندة مملاة عليه من الدوائر العليا تهدف إلى خلق دينامية مدروسة، و حل لغز الركود الذي يعرفه الإقليم وعاصمته مدينة قلعة السراغنة ،بفعل سياسية المنفعة الخاصة و النفاق السياسي و سنوات الانصراف إلى البحث عن التبريرات الواهية التي تحول دون القدرة على حماية المدينة مما تعيشه من خروقات يومية دون حسيب و لا رقيب، مثل تحرير الملك العمومي، أو محاربة الغش في المواد الغذائية،أو تنظيم الأسواق النموذجية حفاظا على حقوق المهنيين، و أمن المواطنين و المواطنات و ضمان مداخيل معتبرة للجماعة،بدل التلاعب في هذه المداخيل التي تشوبها شبهة التبديد للمال العام .
إن حجم المشاكل التي تعيشها مدينة قلعة السراغنة أصبحت أقوى من إرادة عامل الذي لم يباشر بعد ملفات التلاعبات في الصفقات ،و في وضعية مداخيل الجماعة و البناء العشوائي الذي يحجب شوارع وممرات المدينة و خارجها، وأصبح يزحف ليشمل الطرق العمومية في مداخل المدينة من الناحية الغربية قبالة تجزئة الريحان، و في شمالها حيث البناء العشوائي ينمو بسرعة حتى أصبح حقا مكتسبا، وفي شرق المدينة جنوب تجزئة الهدى .
إنها أماكن سوداء و ملفات تنتظر من العامل أن يفك لغزها و يتخذ القرار الشجاع لفك الخناق عن المدينة بفعل احتلال الفضاءات العمومية، و تدمير المنشآت البيئية ، أمام أعين السلطات العمومية و الأعوان والمستشارين . إنه أصبح من الضروري من السيد عامل الإقليم التفرغ لإنقاذ المدينة مما هي فيه من فوضى، عارمة ، بل مضرة على عدة مستويات، على مستوى النقل و المرور والجولان، حيث أصبحت الحوادث المتكررة مخلفة ضحايا السير وسط المدينة، وعلى مستوى الاستيلاء على الملك العمومي في غياب الدور المنوط بالمجلس، والسلطات المحلية، في هذا الباب.
إن مدينة قلعة السراغنة و هي تتطلع إلى مستقبل أفضل واعد، تجد نفسها مقيدة بالأغلال حتى الأذقان، وهي تظل تستغيث من يفك قيودها .
لقد وجدت نفسها في طي نسيان بفعل النفاق السياسي و الاجتماعي، الذي يسود في فضائها، و بفعل الهروب من الواقع تحت ذرائع شتى لا مصداقية لها.
فما هو ذنب هذه المدينة التي كانت من المدن الأوائل التي عرفت النقل الحضري ، و تم ترحيل الشركة للنقل الحضري في ظروف مبهمة في نهاية التسعينات من القرن الماضي. ومن تم أصبح مطلب النقل الحضري من الطابوهات لأن نافدين في البلاد لهم مصلحة في ذلك.
و في الوقت الذي عرفت المدينة انفجارا ديمغرافيا و توالد أحياء بفعل سياسة ضم دواوير إليها بحثا عن كتل ناخبة خارج القانون المعماري لخلق توازن انتخابي رغبة من السلطات خلق أغلبية تناسبها، و تستجيب لخطة وزارة الداخلية، أي أغلبية تحت الطلب المخزني و تبقى النخبة تشكل أقلية لا يمكنها الوصول إلى مراكز القرار، و بذلك يصبح النفاق السياسي و الوصولية هما السبيل الوحيد للوصول من أجل تدبير الشأن المحلي .
و هكذا تبقى المدينة تفتقر إلى العقل المدبر و المبدئي الذي يضعها على سكة التنمية في أبعادها البشرية و الاقتصادية و الاجتماعية .
وهذه من الأسباب التي جعلت المدينة، دون نقل منظم يربط الكلية التقنية بالمدينة، و دون نقل حضري يربط بين الأحياء و المؤسسات العمومية، و بين المدينة و المحيط .
إنه لا يعقل أن تظل مدينة قلعة السراغنة مدينة العربات المجرورة للنقل ،و ما تحمله من مخاطر و من تشوهات للمدينة و من حوادث متعددة .
إن النفاق السياسي و الوصولية و البحث عن المنافع الخاصة بـ اعتلاء كرسي تسيير الشأن المحلي جعل المدينة تقع في النسيان القاتل و الإهمال المتزايد ،و إلا كيف أن مدينة قلعة السراغنة لا يكون لها قطب علمي من جامعة و كلية الطب ومستشفى جامعي؟ و كيف لا يكون لها أنوية صناعية تشغل الشباب و تحد من الهجرة السرية و ركوب قوارب الموت ؟
هل هذا راجع إلى موقف المسؤولين عن الشأن المحلي و السلطات الإقليمية و المحلية و المجلس الإقليمي من مدينة الشهداء و العلماء و الفقهاء و مدينة الشرفاء ؟ أم أنهم لا يفكرون إلا في أنفسهم وما يمكن أن يأخذوه من البقرة الحلوب؟
و هل المهرجانات هي السبيل لتنمية المدينة لتتبوأ الرتب المتقدمة بين المدن المغربية من حيث التنمية و الحضارة و التمدن؟إن المهرجانات لها مبادئها و أهدافها الثقافية، منها التعريف بالمدينة و بتاريخها ورموزها و شهدائها. ان شكل المهرجانات و مضامينها إنما هو تغطية فشل التدبير و التسيير و البناء الحقيقي لركائز التنمية المستدامة.
و يظل النفاق السياسي هو السم الذي تتجرعه مدينتنا ، مدينة قلعة السراغنة كل يوم ، و تجد المسؤولين لا يعبؤون بما يخلفه هذا السم في نفوس أهلها من تداعيات وخيمة . فهل من منقد؟
-البدالي صافي الدين

