رأي

الشجاعة في الاعتراف: بين السياسة والمسؤولية

مصطفى لحميدي

في عالم السياسة كما في حياتنا اليومية، يواجه الجميع لحظات يتعرض فيها للتقصير أو الخطأ. كثيرًا ما نحلم بسياسيين يملكون الشجاعة ليقولوا بصراحة: “لقد أخطأت”، وكما نود لمواطنين أن يعترفوا بأخطائهم أيضًا. الاعتراف بالخطأ ليس هروبًا من الواقع، بل هو نافذة تطل على النضج والفهم الحقيقيين للواقع الذي نعيشه.

فما الذي يمنع السياسي من مواجهة أخطاءه بصراحة؟ ولماذا تتحول لغة الاعتذار أحيانًا إلى ضبابية أو صمت؟ماذا لو اعترف كل سياسي بأنه أخطأ وأساء التقدير؟ ماذا لو اعترف كل مواطن بأنه يخطئ كما يخطئ السياسي، وأن كل تجربة تحمل دروسًا جديدة تصقل فهمنا وإدراكنا للواقع؟ كثيرًا ما نلاحظ أن السياسي يلجأ إلى لغة ضبابية بدل الصراحة، متجنبًا الاعتراف بالفشل، غير مستمع لنصائح المواطنين، متحفظًا على الرد على النقد، ومصرًا على الدفاع عن موقفه بكل قوة، كأنما الاعتراف بالخطأ ضعف.

ومع الأسف، حينما ينتقده البعض ويدله على عيوبه، يتوجه بعض السياسيين مباشرة إلى قاموس الرداءة، فيرد ردًا عنيفًا، ويتهم المنتقدين بالغوغاء والعدمين، بل أحيانًا يجرحهم بكلمات نابية.

وهذه الطريقة في الرد على النقد تظهر رفضًا للتعلم والتطور، وتغلق أمام السياسي فرصة التعرف على أخطائه وتصحيحها. النقد هو أداة ثمينة نصحح بها الأخطاء ونعالج بها العيوب ونتعرف من خلالها على جوانب قصورنا. فالتعامل مع النقد بحكمة وشجاعة هو ما يمنح المسؤول فرصة للتعلم والتطور، ويقربه من الناس بدل أن يبعده عنهم.

لكن الواقع يقول إن الاعتراف بالفشل وشجاعة مواجهة الأخطاء هو ما يرفع من مكانة الإنسان في أعين الناس، ويقربه من قلوبهم. فالسياسة، كما كل مسار حياتي، تحتاج إلى وعي ونضج يتكوَّنان بالممارسة والتجربة.

فالغالبية ما زالت في بداية الطريق، في مرحلة تشكّل الفهم السياسي، وما نراه من هروب أو تحفظ ليس إلا انعكاسًا لقصور التجربة أو الخوف من مواجهة الحقيقة.لماذا لا يخرج السياسي إلى العلن ويصرح بفشل مشروعه أو بتقصيره في تحقيق النجاح؟ لماذا يعتمد البعض على عدم المواجهة والهروب من الواقع؟ ربما لأن الاعتراف بالخطأ يتطلب شجاعة، والشجاعة تحتاج إلى ثقة بالنفس وإيمانًا بالمسؤولية.

وكل إنسان، سواء كان سياسيًا أو مواطنًا، يخطئ ويصيب، وعلينا جميعًا أن نتعلم من أخطائنا.وفي النهاية، نتذكر قول الفيلسوف الفرنسي فولتير:”الجرأة في الاعتراف بالخطأ هي أول خطوة نحو الحكمة.”فالاعتراف ليس ضعفًا، بل قوة، ووسيلة لتقوية الروابط بين المسؤول والمجتمع، ولإعادة الثقة بينهما، ولتعزيز النضج السياسي والإنساني معًا.

أخبار تساوت

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AKHBARTASSAOUT @2023. All Rights Reserved.