رأي

مع قهوة الصباح:غزة لا زالت تنزف بسبب تعرضها للإبادة الجماعية

في الأيام الأخيرة، تحولت مفاوضات الهدنة وصفقة الحرب إلى استعراض إعلامي، أو سباق محموم على العواجل، تجاوزَ الجهد الحقيقي، تضخّمت التسريبات حتى فاقت أصل المفاوضات، بعضها صراع على السبق، وبعضها محض أمنيات، وأخرى أدوات ضغط تُستخدم لتوجيه الشارع أو لَيّ ذراع المفاوضين، ويبقى المشهد ضبابي والنتيجة واحدة وغزة تنزف‬، انطلقت جولة مفاوضات جديدة في الدوحة بلا أوراق ولا شروط مسبقة على الطاولة وكل الملفات مفتوحة دفعة واحدة، لا تبادل للأسرى كمدخل ولا التزامات مسبقة كتلك التي عطلت الجولات السابقة، الوسطاء لم يغيبوا طيلة الأسبوع، لكن الجديد أن الطاولة باتت بأوراق بيضاء بلا قيود، حماس تعرض رؤيتها كاملة، واللاعبون يعيدون ترتيب الميدان السياسي من نقطة الصفر، المفاوضات تدور حول المضامين لا حول التسويات المؤقتة، محاولة تفاوضية جديدة دون ورقة ويتكوف أو شروط النتن ياهو أو مطالب حماس، في أروقة الدوحة دارت جولة جديدة من المفاوضات غير المباشرة بين المقاومة والإحتلال الصhيوني، لكن لا دخان أبيض حتى الآن، الجولة أقرب إلى جس نبض واستكشاف نوايا، منها إلى تفاوض حقيقي يُبنى عليه، واللافت أن وفد الصhاينة بدأ مرتفع السقف، بطلب إطلاق سراح أسراه دون أن يتضمن ذلك إنهاء الحرب، الجولة الحالية خالية من العروض الجدية حتى الآن، وتبدو كأنها محاولة لامتصاص الضغط الداخلي والدولي المتزايد على حكومة النتن ياهو، لكن مع تصاعد الاحتجاجات داخل الكيان الصhيوني، وتزايد الضغوط الأميركية والغربية، قد تحمل الجولات المقبلة مفاجآت، فالمشهد السياسي لم يعد يحتمل المناورة طويلاً.‏

تشهد الأيام الأخيرة سيولة إخبارية مفرطة حول مفاوضات ⁧‫الدوحة‬⁩، يغلب عليها التضليل أو التسرّع، حيث بات جزء منها أداة للتنافس الإعلامي، والجزء الآخر امتداداً لمناورات الإحتلال الصhيوني على طاولة التفاوض، و‏حتى اللحظة لا جديد، وفد الإحتلال لا يزال متمترساً خلف صيغة سابقة، ‏إما طرح جزئي يقضي بالإفراج عن عشرة أسرى مقابل هدنة مؤقتة لمدة خمسة وأربعين يوماً تتبعها مفاوضات، ‏أو صفقة شاملة تشمل كافة الأسرى مقابل وقف مؤقت للنار يتبعه تسليم السلاح وخروج المقاتلين، ‏وسط هذه الضبابية تبقى الحقيقة أن المفاوضات متواصلة وأن الوسطاء لا يزالوا يبذلون جهوداً حثيثة في مشهد لم يحسم بعد، بينما غزة‬⁩ لا تزال تنزف، فمنذ أكثر من أسبوع لم تُعقد أي جلسات تفاوض مباشرة أو غير مباشرة بين الوسطاء ووفدي حماس والإحتلال الصhيوني في ⁧‫الدوحة‬⁩ في مشهد يكشف جموداً تفاوضياً لافتاً لا يوازي سخونة الميدان ولا ضغط الساحة الدولية، ‏اللافت أن وفد الإحتلال أعلن أنه غير مخوّل بمناقشة وقف دائم لإطلاق النار ولا حتى التفاوض المرحلي الذي يُفضي إليه، ما يُفرغ وجوده في الدوحة من أي مضمون تفاوضي فعلي، ويجعله أقرب إلى الحضور الشكلي منه إلى التفاوض الجاد.

وفي تصريحات فجّرت مفاجآت، كشف رجل الأعمال الأمريكي-الإسرائيلي موتي كهانا مدير شركة GDC الأمنية، عن ما وصفه بـ”خديعة إسرائيلية” تقف خلف تعثّر توزيع المساعدات الإنسانية في قطاع غزة، كهانا الذي كان يفترض أن تتولى شركته مهمة توزيع المساعدات ضمن الآلية الأمريكية المقترحة، قال في مقابلة مع راديو الناس إنه تم استبعاده فجأة لصالح شركة وهمية تدّعي أنها أمريكية، لكنها في الحقيقة تابعة للإحتلال الإسرائيلي، وفي إشارة لافتة، أكد أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أنها تعرّضت للخداع من قبل جهات إسرائيلية، ما تسبب بتأجيل توزيع المساعدات الإنسانية إلى القطاع، لكن الأخطر فيما كشفه كهانا، أن حكومة الإحتلال الصhيوني لا تريد حلاً حقيقياً للأزمة الإنسانية في غزة، وتسعى لإبقاء الفوضى قائمة بينما يموت الناس كل يوم، في اعتراف صريح بأن استمرار الأزمة جزء من سياسة متعمدة، هذه التصريحات تكشف طبيعة الشركات المتورطة، وأن غطاء المساعدات وسيلة جديدة لفرض هندسة التجويع تحت غطاء إنساني، هل تحوّلت غزة إلى حقل تجارب لشركات الإحتلال الصhيوني الأمنية؟ وأين تقف واشنطن من كل ذلك؟‏

في المقابل تنشط واشنطن خلف الكواليس عبر قنوات اتصال مباشرة مع النتن ياهو، في مسارٍ موازٍ يعمّق الشكوك حول نوايا الإدارة الأميركية، ويطرح علامات استفهام بشأن جدية التزامها بمسار تفاوضي حقيقي، أم أن ما يجري هو مجرّد إدارة للأزمة لا سعياً لحلها، و‏النتيجة هي الطاولة صامتة، والميدان مشتعل، فيما تتواصل الإبادة وتغيب الإرادة السياسية القادرة على إنتاج تفاهم يحترم الحد الأدنى من العدالة والإنسانية التي تحترق في ⁧‫غزة‬⁩، لو كان هناك ضغط أمريكي حقيقي لإنهاء الحرب لانتهت كما توقفت في يناير الماضي. كل ما قيل عن توتر في العلاقة مع ترامب تبخّر بعد حادثة إطلاق النار قرب السفارة الإسرائيلية في أمريكا، التي لم تكن أكثر من فرصة لاتصال أعاد الدفء بينه وبين النتن ياهو، وأُعطي خلالها الضوء الأخضر لمواصلة الحرب وتحقيق أهدافه، ورقة الأسرى فقدت تأثيرها، والرهان على تغيير داخلي إسرائيلي ثبت فشله، حتى إيهود باراك أقر بأن النتن ياهو محصن بالأغلبية ولا يُزاح إلا بعصيان مدني، وهو أمر لم يحدث في تاريخ الصhاينة ولن يحدث، لا سيما في ظل مجازر مفتوحة على قطاع غزة، وآخرها المجزرة المروعة التي تعرض لها أبناء طبيبة الأطفال آلاء النجار التسعة الذين قصفت طائرات الإحتلال الصhيوني المجرم أول أمس منزلهم على رؤوسهم، بينما كانت والدتهم تعمل في إحدى مستشفيات قطاع غزة فاستقبلتهم شهداء في المستشفى مقطَّعين أشلاء وأصيب كذلك زوجها الطبيب بجروح خطيرة، اللهم إربط على قلبها وصبِّرها خنساء غزة في القرن الواحد والعشرين.

لا ضغط عربي ولا أفق حقيقي للمقاومة المستنزفة داخل بقعة محاصرة وسط دمار بلا حدود، الرهان على الصمود حتى الإنهاك لم يعد إلا عبثاً، حتى التهجير بات يُطرح كحل إنساني لتغطية المجزرة، فلو وُجد قارب قرب غزة، ما الذي سيمنع أبًا لا يملك سوى خيمة من ركوبه؟ ماذا بقي ليخسره؟ اللهم لا ملجأ لهم سواك، فالطف بهم واغثهم برحمتك، إنك أرحم الراحمين.

✍️إدريس زياد

أخبار تساوت

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AKHBARTASSAOUT @2023. All Rights Reserved.