رأي

مع قهوة الصباح : بداية موسم السماوي

الكرسي ما أجمله وما أثقله إما أن تحمله وإما أن يحملك، كونوا كما وعدتم الناس صوتاً لهم ولا تقصروا غايتكم على صوتهم، أما حاجات الناس فقضاؤها عبادة، ومن أشرك في العبادة لم ولن يصل، وأي شخص يحاول تلبية هذه الحاجات تحت سلطة الصورة لاتخاذها معراجاً إلى صوت الناس فقط لأجل الصندوق فهو مفلس، فقير المروءة، شحيح النبل، فالأصل في خدمة الناس الدوام وليس القصر على زمن الصندوق، والمبتغى من كل شخص أن يكون هو صوت الناس لا أن يقصر غايته على صوت الناس، وما بذل الجهد في تلبية حاجات الناس ابتغاء صوتهم غير فساد مقنع، ألا وإن قضاء حوائج الناس سُلّم، فمن صعده إلى الله سَلِم، ومن صعده إلى الصندوق وقع.

إن من جعل ما قدّمت يداه في هذا المسار دعاية يُطل بها على الناس، فقد أحرق صندوق نماء الحسنات لصالح صندوق لملمة الأصوات، واستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، والتورع عن الإنتفاع من موقع التبرع، شيء لا يدركه إلا قلب ذو حس وضمير ذو لطف، والكيّس الفطن من ادّخر خدمة الناس وقضاء حوائجهم لصندوق العمل، فيكون جزاؤه خبيئة نيّرة له عند الله تعالى، نعرف جيداً أن البعض يعزف على الوتر الحساس عند الناس، ومن عادة الناس التفاعل مع من يقدم يد المساعدة لهم ويمشي في قضاء حوائجهم، لذلك نحن بحاجة لمواطن واعٍ يعرف كيف يختار من يمثله بعقلية الواعي وليس بعقلية الغافي الساذج، كحاجتنا أيضاً لمن يمثل هذا المواطن بنزاهة وشفافية، وحتى نعطي لكل ذي حق حقه، فمن حق مثل هذا الشخص إن أحسن وأجاد وقدم وقته وجهده وكان أميناً وعادلاً وقدم أنموذجاً محترماً وناجحاً في معاملاته ومداومته لفعل الخير الغير الموسمي أن يمثل الناس وينوب عنهم، شريطة أن لا يستغل ضعفهم وحاجتهم وأن لا يطلب منهم رد الجميل، فهذا حقه الطبيعي ولكن دون استغلال لمعروفه بنية شراء ذمم المحتاجين والمستفيدين الذين لا يأبهون بحلال ولا بحرام، والذي هو أشبه بالرشوة إن لم يكن رشوة فعلاً.

والسياسي ليس هو الذي “يتبورد” مِنْ فوق المنابر والمنصات أو مِنْ وراء شاشة الحاسوب أو النقال، بل هو الذي ينصت إلى الناس ويتابع مشاكلهم ويتفاعل معها ويواجهها بكل مسؤولية، والمناصب ليست للفشخرة والجلوس في المكاتب الفارهة وركوب السيارات الفاخرة وترك الناس يتألمون ويعانون وإنما هو لخدمتهم ورعاية مصالحهم، إن السياسة أخلاق ومنافسة شريفة ولا عداوة في السياسة، فمنافسك ليس حجراً لتكسره، وليس وحشاً لتخاف منه، وليس عبداً لتملكه، وليس عدواً لتحاربه، إنما هو منافسك في ميدان يضمّكما، ويُباريك على هدف يجمعكما، فلا تشقى به ولا يشقى بك، وفي غياب البضاعة النقية تروج البضاعة المزجاة، وأرى أننا في زمن البضاعة المزجاة.

في مواقف كثيرة أثبت البرلمانيون وقوفهم ضد مصالح الشعب الذي وضع ثقته فيهم، فقد بات من شبه المستحيل أن تمنح ثقتك مرة أخرى لمثل هذه الكائنات النائمة والوجوه البالية، التي طالما أنها تتصرف بهذه الخسة والغثاثة والوضاعة والحقارة، فعندما يصبح جاهل أو صفيق أو فاسق أو فاجر يغلب عليه النوم في قباب البرلمان هو الآمر الناهي الذي يقرر في مصيرك، وليس له من المؤهلات غير الوقاحة والوشاية الكاذبة، وهو عند البعض أهل الرأي والمشورة الذي لا يقطع قرار إلا بحضوره وموافقته، فاعلم وللأسف أنها هزلت حتى اشتد هزالها.

دجاجلة وإن ارتديتم ثياب الصالحين، جلساتكم داخل القباب عبارة عن مسرحيات سيئة الإخراج والتشخيص ومهزلة أبطالها مجموعة من العابثين، فلا أحد شكك في عدالة المطالب المشروعة للشعب الذي استشعر الثقل الذي يحمله على كاهله من جراء الغلاء والإستغلال الفاحش والإستحواد على السوق إلا لصوص المال العام وصحافة العهر وتجار وسماسرة الذمم الذين انتخبهم الشعب لينوبوا عنه ويقوموا مقامه في كل صغيرة وكبيرة ضماناً للعيش الكريم، صمتوا صمت أهل القبور لا تسمع لهم ركزاً، إلا شهيقهم ونهيقهم داخل قباب البرلمان لأجل الظهور الذي يقسم الظهور ودفاعاً عن مصالحهم الشخصية، أما أيام التصويت على القوانين المجحفة والقضايا التي تهم أبناء الشعب كالتقاعد والتعاقد والتعليم والصحة والحريات العامة تجد قبة البرلمان تعرف اكتظاظاً شديداً للكراسي الفارغة.

للسلطة والنفوذ سحر خاص لدى الغوغاء، لا لبرلمانيي الولائم والمواسم، لا لبرلمانيين فصيلهم يتجول في الشوارع والقرى والمداشر ويزور المنازل والدكاكين والحمامات ويحضر الولائم والوضائم أفواجاً وزرافات، ويحدث الحملات بالصخب والألوان ليسأل الناس عن الأصوات لصالح فزاعة لا تلتفت إليهم إلا عند اقتراب موسم الإنتخابات، فإذا كان تغيير الفرد بطيئاً، فإن تغيير التكتلات التي لا تأخذ بعين الإعتبار للأسس والمباديء الحزبية أشد سرعة لأن تكتلها يحمي مصالحها من الإنهيار السريع، ويشكل مقاومة لكل جديد، وهذه الظواهر تقاوم التغيير وهي نتاج للوعي الجمعي الكسيح النمطي الذي يقف في وجه التغيير الذي يشكل رصيداً لتكتلات الإستبداد، فالمزاعم بأننا دولة ديمقراطية بسبب مظاهر الإنتخابات وحرية التعبير والبرلمان هي ادعاءات جوفاء، فما تشهده الساحة في الحقيقة هو فقاعات من الحرية، في حين أن البحر الكبير الذي تهتز فيه هذه الفقاعات هو عكس ذلك.

🖋️إدريس زياد

أخبار تساوت

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AKHBARTASSAOUT @2023. All Rights Reserved.