الأبيض صعب تماماً وغير مفهوم، ولأنّه ليس لوناً تظهر عليه أي مسحة من أي لون، والأبيض مُربك تماماً، تحتار كيف تصنفه، وبأي لون ينبغي أن تراه، فالأبيض سيد نفسه، فهو لا يُخفي في ثناياه غيره، مع أنه كل الألوان مجتمعة، والأبيض ليس فيه أكثر من أنه أبيض، ولا معنى له سوى أنه أبيض، ولا يقبل التغير، يبقى أبيضاً حتى حين تنظر إليه عبر زجاج نظارتيك الملون، أو بعينيك العسليتين، الأبيض بالتأكيد ليس أنت، فلو كنت أبيضاً مثله لكنت فهمت معناه، ولما بحثت عن معنى آخر له خارج بياضه، وحتى في الظلمة تتساوى الألوان تماماً، إلا الأبيض يبدو كالثور الهائج…
وفي الواقع ثمّة بهائم كثيرة من ذوات القرون، تعشق العيش مُغمَضَة العيون، ولعلها صماء بكماء عمياء لا تفهم ولا تستفهم، والمنطق لا يتقبل الفراغ، ولا الثبات الساكن، ولا الجمود الآثم، والغباء المضحك هو الإنكفاء والنكوص إلى الوراء، واهمٌ كل ظانّ أنه قادر على الإمساك بعنان التاريخ، ولجام الواقع، ومنطق الزمن…إن الكلمة لتبقى محجورة في القلب سنين وأعوام، لا تتجاوز أطراف اللسان، ليس لعلة في البيان، ولا لرهب في الجنان، ولأن وقت خروجها لم يحن، ووجه نفعها لم يبن، ولقد ندخرها وهي كالعصا لتنفعنا وكالسيف، وإن الكلمة الطائشة لمزلقة الرجال، فأكرموا أنفسكم، وزنوا كلامكم، واردعوا فضولكم، واحفظوا هيبتكم، ولا ترخصوا أنفسكم بالخفة، ولا تريقوا ماء وجوهكم بالثرثرة…
هذا ليس عرض حال لبعض السياسيين فحسب، إنما لأحوال بعض أشباه الرجال، وحتى الناس الذين يَسْتَحْلونَ العيش على الهوامش والسكوت على الفواحش والمس بكرامة العيش، وبعض المتنطعين الكذابين الذين أفسدوا المؤسسات، وأشلاء بعض النخب الراتعة في الريع.🖋️إدريس زياد

