
بقلم عبد الرحمان سوسو
ليست المشاركة في الحكومة غاية في حد ذاتها، ولا ينبغي أن تكون نهاية المطاف بالنسبة إلى الأحزاب الوطنية والديمقراطية التي تأسست على مبادئ النضال من أجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. إنما تكتسب هذه المشاركة معناها الحقيقي حين تتحول إلى فرصة لإعادة ترتيب الأولويات، وتجديد الالتزامات، واستعادة المبادرة السياسية، وفتح آفاق جديدة للعمل المشترك خدمة للوطن والمواطنين.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى المشاركة الحكومية الحالية باعتبارها مناسبة للتفكير في أفق سياسي أبعد من تدبير المرحلة؛ أفق يستحضر أحد أنبل المشاريع التي عرفتها الحياة السياسية المغربية، وهو مشروع الكتلة الديمقراطية، الذي حمله رواد الحركة الوطنية والديمقراطية، وفي مقدمتهم عبد الرحمان اليوسفي وعلي يعته ومحمد بوستة وبنسعيد ايت ادر وعبد الله ابراهيم منذ سنة 1992. لم تكن الكتلة الديمقراطية مجرد صيغة للتنسيق الظرفي بين أحزاب تختلف في مرجعياتها وتقديراتها، بل كانت تعبيراً عن وعي سياسي عميق بضرورة توحيد الجهود حول القضايا الكبرى للوطن، وتجاوز منطق التنافس الضيق نحو منطق المسؤولية التاريخية.
لقد أدرك أولئك الرواد أن اختلاف الاجتهادات لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للتنافر، وأن التعددية السياسية لا تكتمل إلا حين تصبح مدخلا للتعاون والتكامل، وأن قوة الأحزاب الوطنية لا تقاس فقط بأعداد مقاعدها أو بمواقعها في المؤسسات، وإنما بقدرتها على التأثير في الاختيارات الكبرى للبلاد والدفاع عن مصالح الشعب وتطلعاته.
كان عبد الرحمان اليوسفي، بما مثله من نضال ديمقراطي ومسؤولية وطنية، وعلي يعته بما جسّده من التزام بقضايا الطبقات الشعبية، ومحمد بوستة بما عبّر عنه من تشبث بالمرجعية الوطنية والاستقلالية السياسية،……. يجسدون، كل من موقعه، إرادة جعل الاختلاف مصدر غنى، لا سببا للانقسام.ولذلك، فإن استحضار تجربة الكتلة الديمقراطية اليوم ليس حنيناً إلى الماضي، ولا استدعاء لصفحات مشرقة من تاريخنا السياسي فحسب، بل هو سؤال راهني عن قدرة الأحزاب الوطنية على استعادة روح المبادرة، وصياغة مشروع مشترك يستجيب لتحولات المجتمع وانتظارات أجياله الجديدة.
المشاركة الحكومية.. فرصة لإعادة بناء الجسور
إن المشاركة في الحكومة لا ينبغي أن تحجب عن الأحزاب المعنية مسؤوليتها في بناء البدائل السياسية، ولا أن تجعل من التدبير الحكومي بديلا عن التفكير الاستراتيجي في مستقبل الديمقراطية والتنمية والعدالة الاجتماعية.بل إن وجود أحزاب ذات جذور وطنية وديمقراطية داخل التجربة الحكومية، أو تقاطعها حول مسؤوليات سياسية مشتركة، يمكن أن يشكل مدخلا لإعادة بناء الثقة بينها، وتطوير حوار جدي حول ما يجمعها من اختيارات ومبادئ، وما يمكن أن تتعاون بشأنه من إصلاحات ومبادرات.
وهنا تبرز الفرصة السانحة: أن تتحول اللحظة السياسية الراهنة إلى مناسبة لفتح نقاش مسؤول بين الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية وحزب الاستقلال، ومعهما سائر القوى الديمقراطية والوطنية التي تؤمن بضرورة بناء مشروع مجتمعي متوازن، قوامه دولة المؤسسات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتكافؤ الفرص، وتوسيع الحريات، وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية.
إن الأمر لا يتعلق بالضرورة باستنساخ الكتلة الديمقراطية بصيغتها التاريخية، ولا بتجاهل ما راكمته الأحزاب من اختلافات وتجارب، بل بإحياء جوهرها النبيل، أي جعل الحوار والتوافق والعمل المشترك أدوات لتقوية المسار الديمقراطي والدفاع عن المصالح العليا للوطن.فالاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بما يحمله من رصيد نضالي وفكري، وبما راكمه من تضحيات في سبيل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، مدعو اليوم إلى الإسهام الفاعل في بلورة هذا الأفق الجديد.ولا يتعلق الأمر بادعاء امتلاك الحقيقة أو احتكار الشرعية التاريخية، وإنما باستحضار مسؤولية حزب ساهم مناضلوه وقياداته في محطات مفصلية من تاريخ المغرب الحديث، وفي مقدمتها تجربة التناوب التوافقي بقيادة عبد الرحمان اليوسفي.
لقد أثبتت التجربة أن الأحزاب، مهما كان رصيدها التاريخي، لا تستطيع الاستمرار بقوة الذاكرة وحدها؛ بل تحتاج إلى تجديد أدواتها، واستعادة ثقة المواطنين، والإنصات إلى الشباب والفئات الاجتماعية التي تنتظر منها أجوبة ملموسة عن أسئلة الشغل والتعليم والصحة والسكن والعدالة المجالية.
ومن هنا، فإن تجديد المشروع الاتحادي لا يتعارض مع توسيع دائرة العمل المشترك، بل إن انفتاح الاتحاد الاشتراكي على القوى الديمقراطية الجادة، انطلاقا من استقلالية قراره ووضوح هويته، يمكن أن يعزز حضوره السياسي، ويمنحه قدرة أكبر على التأثير في السياسات العمومية والدفاع عن الفئات الشعبية.
فالاختلاف داخل البيت الديمقراطي أمر طبيعي، والنقد المتبادل ضرورة صحية، لكن تحويل الاختلافات إلى خصومات دائمة لا يخدم إلا منطق التشتت، ويبدد فرص بناء بديل سياسي قادر على استعادة ثقة المجتمع.من التنسيق الحزبي إلى المشروع المجتمعيإن إحياء حلم الرواد لن يتحقق بمجرد إصدار البيانات أو عقد اللقاءات البروتوكولية، وإنما يتطلب إرادة سياسية حقيقية، وشجاعة في تجاوز الحسابات الضيقة، واستعداداً لتقديم تنازلات متبادلة من أجل المصلحة العامة.

ويقتضي ذلك، في تقديرنا، إطلاق حوار وطني بين القوى الديمقراطية حول ميثاق مشترك يحدد الأولويات الكبرى، وفي مقدمتها:الكرامة الإنسانية، من خلال سياسات عمومية تحمي المواطن من الهشاشة والإقصاء.العدالة الاجتماعية، عبر توزيع أكثر إنصافا للثروة والفرص، ومحاربة الفوارق الاجتماعية والمجالية.الحرية والديمقراطية، بتعزيز المؤسسات المنتخبة، وصيانة الحقوق والحريات، وترسيخ دولة القانون.الدولة الاجتماعية، بضمان خدمات عمومية ذات جودة في التعليم والصحة، وتوسيع الحماية الاجتماعية.وتبنيالتنمية المنتجة، عبر دعم الشغل اللائق، وتشجيع المبادرة الاقتصادية، وإعطاء الشباب موقعاً مركزيا في السياسات التنموية.
ويمكن أن يشكل هذا الميثاق قاعدة للتعاون البرلماني والسياسي والمجتمعي، من دون أن يلغي استقلالية الأحزاب أو حقها في التنافس الديمقراطي وتقديم برامجها الخاصة.فالمطلوب ليس ذوبان الأحزاب في بعضها، بل تعاونها على ما تتقاطع فيه من مبادئ ومصالح وطنية، وتنافسها الشريف فيما تختلف فيه من تصورات واجتهادات.
الفرصة لا تنتظر المترددينإن المغرب، بما يواجهه من تحديات اقتصادية واجتماعية وسياسية، يحتاج إلى حياة حزبية قوية، وإلى معارضة مسؤولة، وإلى أحزاب قادرة على تحويل انشغالات المواطنين إلى مشاريع واقعية، لا إلى شعارات موسمية.
ومن ثم، فإن أي تحول في المشهد الحكومي، بما فيه الحديث عن انتقال القيادة إلى منال المنصوري، لا ينبغي أن يُقرأ فقط من زاوية توزيع المواقع أو إعادة تشكيل التحالفات، بل من زاوية ما يمكن أن يفتحه من إمكانات لإعادة ترتيب العلاقات بين القوى السياسية، وتجديد الحوار حول مستقبل المشروع الديمقراطي المغربي. وتظل هذه الإمكانية رهينة بما ستفرزه التطورات السياسية الفعلية، لا بمجرد التوقعات.
لقد كانت قوة الرواد أنهم فهموا أن السياسة مسؤولية تتجاوز أعمار الحكومات والولايات الانتخابية. واليوم، تقع على عاتق الأجيال الحالية مسؤولية استلهام تلك الحكمة، والانتقال من استحضار الماضي إلى بناء المستقبل.
إن حلم الكتلة الديمقراطية لم يكن حلما بأحزاب متطابقة، بل بأحزاب متضامنة حول وطن يستحق الأفضل.وإذا كانت سنة 1992 قد حملت بذرة ذلك الحلم، فإن المرحلة الراهنة قد تكون مناسبة لإعادة طرحه بروح جديدة، وبرنامج متجدد، وأفق أوسع يستوعب تحولات المغرب وتطلعات مواطنيه.فلنجعل من المشاركة في المسؤولية فرصة لتوسيع دائرة الحوار، لا لتعميق التباعد؛ ومن الاختلاف مدخلا للإبداع، لا ذريعة للقطيعة؛ ومن الذاكرة الوطنية جسرا نحو المستقبل، لا مجرد احتفاء بالماضي.
فالأوطان لا تتقدم بتنافس أبنائها على المواقع وحدها، وإنما بقدرتهم على الالتقاء حول القضايا التي تستحق أن يتوحدوا من أجلها.الكرامة والعدالة الاجتماعية والحرية..
تلك هي البوصلة التي ينبغي أن تجمع القوى الديمقراطية، وذلك هو المعنى الأعمق لإحياء حلم الرواد.
