المصطفى لحميدي
يتابع المواطن المغربي بذهول ومرارة تلك المشاهد الدرامية التي تطالعنا بها منصات التواصل الاجتماعي من داخل قاعات المجالس الجماعية؛ ملاسناتٌ حادة، وتبادلٌ صارخ للاتهامات، وصراخٌ يصل حدّ الملاكمة، وتكسير الأواني، والقفز فوق الطاولات، والعربدة العبثية.
يُخيل للمشاهد للوهلة الأولى أننا أمام “معركة نضالية” حارقة، يستبسل فيها المستشارون للدفاع عن قطرات الماء التي شحت في الصنابير، أو التنديد بالغلاء الفاحش الذي اكتوت بلهيبه الجيوب ، وأفرغ قفة المواطن البسيط، وجعل اثمنة المواد الغداءية والخضر واللحوم ترتفع بشكل صاروخي فاقت قدرة المواطن ، وخربت بيوت ذوي الدخل المحدود.
لكن الحقيقة الساطعة التي يعرفها الصغير والكبير، هي أن هذه (“المسرحية”) لا علاقة لها إطلاقاً بآلام الشعب المقهور؛ فلا قطرة ماء زادت في السدود، ولا قنطار قمح انخفض ثمنه في المتاجر، ولا اللحم عاد لموائد الفقراء. إنما هو مجرد “تكتيك” ورفع لأسهم التفاوض لتأمين الحصة من “القصعة” المطهوة خلف الأبواب المغلقة.تشبه هذه الأعصاب المنفلتة والصراخ الهستيري إلى حد كبير تلك الأعراض والمغص الحاد الذي تصاب به النساء خلال الدورة الشهرية.
غير أن الفرق بين الحالتين شاسع كبعد السماء عن الأرض؛ فالمغص الأنثوي ألمٌ عضوي وإنساني صادق تحمله المرأة بشرف وصبر، بينما “مغص المجلس” ليس سوى تمثيلية موسمية وتصنع للأوجاع أمام العدسات، يستهدف فقط ابتزاز الخصوم السياسيّين والضغط للحصول على كعكة التوافقات.
والغريب في هذه “المتلازمة السياسية” هو سرعة الشفاء المعجزة التي تحدث في كواليس المجلس! فبينما تحتاج المرأة لوقت ووعي ورعاية لتجاوز ألمها، يبدو أن “الدورة الجماعية” تُعالج بلمسة سحرية أو دواء عجيب يُصرف فوراً خلف القاعة؛ “مسكن” على شكل صفقة إنارة مشبوهة، أو تفويض ملغوم في التعمير، أو رخصة مقهى، أو حتى سيارة خدمة بوقود ممتلئ!ومع انقضاء الجلسة وإسدال الستار، تنجلي العاصفة مجدداً وتسلك الأمور مجراها المرسوم؛ فيتبدد الشحناء فجأة ليحل محلها العناق الدافئ والابتسامات العريضة المتبادلة؛ حيث يتحول “الأسد الهصور” الذي كان يتلاكم ويتنطط فوق الطاولات ويُهدد ببلاغات الفساد إلى “حمل وديع” يوزع الابتسامات ويصوت بـ “نعم” على المقررات، وكأن شيئاً لم يكن!
وهنا تنجلي الصورة البشعة التي لخصها الفيلسوف فريدريك نيتشه ببراعة حين قال:«في السياسة، ليس الصراخ العالي فوق خشب المسرح سوى ثمن القناع الذي يرتديه الممثل قبل إبرام الصفقة!»فوق الخشبة صراخ وملاكمة وتصنع للأوجاع، وخلف الكواليس صفقة وتبادل أدوار… ليظل المواطن وحده ينطوي على ألم الجيب والخبز والماء، بينما يقتسم المخرج والممثلون الغنيمة بدم بارد
