رأي

في ذكرى اختطاف واغتيال الشهيد المهدي بن بركةرجلٌ أكبر من الاغتيال… وذاكرة وطن لا تقبل النسيان29 أكتوبر 1965 – 29 أكتوبر 2026

بقلم عبد الرحمان سوسو

في مثل هذا اليوم، قبل واحد وستين عاما، امتدت الأيدي الآثمة إلى واحد من أبرز العقول السياسية والفكرية التي أنجبتها الحركة الوطنية المغربية، الشهيد المهدي بن بركة، الذي اختطف في قلب باريس يوم 29 أكتوبر 1965، ليختفي جسده إلى الأبد، وتظل الحقيقة الكاملة بشأن مصيره ومكان رفاته غائبة إلى يومنا هذا.لم يكن اختطاف المهدي بن بركة مجرد جريمة عابرة في سجل الاغتيالات السياسية، بل كان استهدافا لعقل استثنائي، ولمشروع تحرري تجاوز حدود الوطن، ولرجل آمن بأن استقلال المغرب لا يكتمل بمجرد استرجاع السيادة الوطنية، بل لا بد أن يتعزز بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتحرر من كل أشكال الاستغلال والتبعية.

لم يكن المهدي بن بركة سياسيا تقليديا، ولا مناضلا تحركه الحسابات الضيقة والمصالح العابرة. لقد جمع بين ذكاء الرياضي ودقة المحلل وجرأة السياسي وعمق المفكر، وبين القدرة على قراءة التحولات التاريخية واستشراف مآلاتها.كان ابن الشعب الذي شق طريقه بالعلم والاجتهاد، فصار من أبرز رموز الحركة الوطنية المغربية، وواحدا من الوجوه التي أسهمت في معركة الاستقلال، قبل أن يصبح من أبرز قادة اليسار المغربي ومن مؤسسي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية سنة 1959.

ولعل أبرز ما ميّز شخصيته هو إيمانه بأن السياسة ليست امتيازا شخصياً، ولا وسيلة للارتقاء الاجتماعي، بل مسؤولية تاريخية تجاه الشعب والوطن. لذلك ظل منخرطا في قضايا عصره، لا يكتفي بوصف الواقع، وإنما يسعى إلى تغييره، ولا يرضى بالإصلاحات الشكلية حين تكون تطلعات الجماهير أكبر من ذلك.كان رجل فكر وممارسة، يؤمن بأن المعرفة لا قيمة لها إذا لم تتحول إلى قوة في خدمة التحرر والتقدم، وأن المناضل الحقيقي هو الذي يجعل من حياته امتداداً للقضايا التي يدافع عنها.

نضال وطني لا يعرف المساومةارتبط اسم المهدي بن بركة بمعركة التحرر الوطني، وبتطلعات المغاربة إلى بناء دولة الاستقلال على أسس الكرامة والحرية والمشاركة الشعبية.لكنه لم يعتبر الاستقلال نهاية التاريخ، بل بداية معركة أخرى: معركة بناء مغرب تسوده الديمقراطية، وتُصان فيه حقوق المواطنين، وتُوزع فيه ثمار التنمية بصورة عادلة، ويكون فيه الشعب صاحب المصلحة الحقيقية في القرار السياسي والاقتصادي.ومن هنا جاءت مواقفه النقدية واختياراته النضالية التي جعلته في صدام مع قوى محافظة على امتيازاتها، وأدخلته في مسارات من التضييق والملاحقة والمنفى.

لقد كان مقتنعا بأن الأوطان لا تبنى بالخوف، وأن الديمقراطية لا يمكن أن تنمو في مناخ الإقصاء، وأن الاختلاف السياسي ليس جريمة تستوجب العقاب، بل حق من حقوق المواطنين وشرط أساسي لتقدم المجتمعات.ولذلك لم يكن نضاله مجرد دفاع عن موقع حزبي أو تيار سياسي، بل دفاعا عن تصور لمغرب المستقبل، مغرب المؤسسات الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.

حب الوطن… أبعد من الشعاراتكان حب المهدي بن بركة لوطنه مرتبطا بمستقبل شعبه، لا بمجرد التغني بالأمجاد الوطنية. فقد أدرك أن الوطنية الحقيقية لا تقاس بعلو الشعارات، وإنما بمدى الالتزام بمصالح المواطنين، والدفاع عن حريتهم، والعمل من أجل إنهاء الفقر والتهميش والتبعية.ولم يحصر اهتمامه في الحدود الوطنية؛ إذ اتسعت رؤيته لتشمل قضايا الشعوب الإفريقية والآسيوية وأمريكا اللاتينية، ونضالاتها من أجل التحرر من الاستعمار والاستغلال.

وفي هذا السياق، اضطلع بدور محوري في التحضير للمؤتمر التضامني للشعوب الإفريقية والآسيوية والأمريكية اللاتينية، المعروف بالمؤتمر الثلاثي القارات، الذي انعقد في هافانا في يناير 1966، وكان من أبرز المشاريع التي جسدت إيمانه بوحدة نضالات الشعوب ضد الاستعمار والإمبريالية.

لقد كان يرى أن استقلال الأوطان يظل ناقصاً ما لم يقترن بالتحرر الاقتصادي والاجتماعي، وأن التضامن بين الشعوب ليس مجرد موقف أخلاقي، بل ضرورة تاريخية لبناء عالم أكثر عدلا وإنصافا.

وهنا تكمن إحدى خصوصيات الرجل:

فقد ظل مغربيا في انتمائه واهتمامه، وإنسانيا في أفقه، أممياً في تضامنه، مؤمناً بأن كرامة الإنسان لا تتجزأ، وأن معركة الحرية واحدة مهما اختلفت الجغرافيا واللغات والثقافات.جريمة الاختطاف والاغتيال… حين يُستهدف الفكر بالرصاصفي ظهيرة يوم 29 أكتوبر 1965، اختُطف المهدي بن بركة أمام مقهى ليب بباريس، في عملية تورط فيها عناصر من الشرطة الفرنسية، وارتبطت فيها خيوط القضية بأجهزة ومسؤولين مغاربة وفرنسيين، وفق ما تناولته التحقيقات والوثائق والشهادات المرتبطة بالملف.

ومنذ ذلك اليوم، لم يعد السؤال مقتصرا على مصير رجل اختفى في ظروف غامضة، بل أصبح سؤالاً عن الحقيقة والعدالة والمسؤولية، وعن قدرة المؤسسات على كشف الجرائم السياسية مهما طال الزمن.لقد شكلت هذه القضية واحدة من أكثر القضايا إيلاماً وإثارة للجدل في التاريخ السياسي المغربي والفرنسي المعاصر.

وعلى الرغم من مرور عقود طويلة، لم يُعثر على رفات الشهيد، ولم تكشف جميع ملابسات اختفائه بصورة تنهي معاناة أسرته وتضع حدا للأسئلة العالقة.إن بشاعة هذه الجريمة لا تكمن فقط في استهداف حياة مناضل سياسي، بل أيضا في محاولة إسكات صوت مختلف، وإجهاض مشروع فكري وسياسي كان يؤمن بأن الشعوب قادرة على صناعة مستقبلها.

لكن التاريخ أثبت أن اغتيال الأجساد لا يعني بالضرورة اغتيال الأفكار، وأن الرصاص قد يسكت صوتا، لكنه لا يستطيع محو الأسئلة التي طرحها صاحبه، ولا طمس القضايا التي ناضل من أجلها.الحقيقة والعدالة… مسؤولية لا تسقط بالتقادمإن الوفاء الحقيقي لذكرى المهدي بن بركة لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد طقس سنوي لاستحضار الماضي، ولا إلى خطاب عاطفي ينتهي بانتهاء المناسبة. الوفاء الحقيقي يقتضي مواصلة المطالبة بكشف الحقيقة كاملة، وتحديد المسؤوليات، والكشف عن مكان الرفات، وإنصاف أسرته، وصون حق المجتمع في معرفة تاريخه.

فلا مصالحة مكتملة مع الماضي من دون حقيقة، ولا عدالة مكتملة من دون مساءلة، ولا ذاكرة وطنية سليمة تقوم على النسيان القسري أو طي الملفات قبل استجلاء الحقيقة.إن قضية المهدي بن بركة ليست ملكا لعائلته وحدها، ولا لحزب سياسي بعينه، بل هي جزء من الذاكرة الوطنية المغربية، ومن سجل النضال الإنساني ضد الاختطاف والاختفاء القسري والإفلات من العقاب.

كما أن استحضار هذه الذكرى يفرض علينا، اليوم أكثر من أي وقت مضى، أن نجعل من الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية التعبير والعدالة الاجتماعية قيما راسخة، لا مجرد شعارات للاستهلاك السياسي.

المهدي بن بركة… ذاكرة مقاومة للموت والنسيان

بعد واحد وستين عاما، ما زال المهدي بن بركة حاضرا في الوجدان الوطني، لا لأن جريمة اختطافه واغتياله ظلت غامضة فحسب، بل لأن الأسئلة التي حملها نضاله ما زالت تستحق النقاش: أي مغرب نريد؟ وأي ديمقراطية نطمح إليها؟ وكيف يمكن بناء تنمية تجعل الإنسان في قلب السياسات العمومية؟ وما السبيل إلى ضمان ألا تتحول السلطة إلى أداة لإقصاء المخالفين أو الانتقام منهم؟

إن عظمة المهدي بن بركة لا تختزل في الطريقة المأساوية التي انتهت بها حياته، بل تتجلى في مساره النضالي، وفي جرأته الفكرية، وفي انفتاحه على قضايا العالم، وفي إيمانه بأن المستقبل يصنع بالنضال والوعي والتنظيم.

قد يحجب الجسد، وقد تطول سنوات الانتظار، وقد تتراكم الملفات في رفوف القضاء، لكن الذاكرة الحية تظل قادرة على مقاومة النسيان، ما دامت هناك أجيال تؤمن بأن الحقيقة حق، وأن العدالة ضرورة، وأن الأوطان لا تتقدم إلا حين تتصالح مع تاريخها بشجاعة ومسؤولية.المجد للشهيد المهدي بن بركة، ولكل شهداء الحرية والديمقراطية والكرامة الإنسانية.

والحقيقة كاملة عن اختطافه واغتياله ومصير رفاته حق لا يسقط بالتقادم، ووفاء لا تنال منه السنين.

أخبار تساوت

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AKHBARTASSAOUT @2023. All Rights Reserved.