قد يتساءل البعض كما سيتساءل الذين سيأتون من بعدنا عن الأسباب الحقيقية التي أدت إلى التخلف الديمقراطي الذي يعرفه المغرب منذ الاستقلال سنة 1956 ، رغم التضحيات التي قدمها الشعب المغربي من أجل الاستقلال و من أجل تحقيق ديمقراطية حقة ، حتى يتمكن من تقرير مصيره السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي بنفسه . و حتى تسود العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروات الوطنية و تسود المساءلة والمحاسبة وعدم الإفلات من العقاب.
إنه من الأسباب الرئيسية التي حالت دون تحقيق تلك الأهداف النبيلة هو تصفية الأصوات الحرة المناهضة للاستعمار والاستبداد و مخاطر التبعية العمياء و ومن بين تلك الأصوات ، صوت الشهيد المهدي بن بركة ،حيث أقدمت الامبريالية /الصهيونية بتنسيق مع النظام المغربي من خلال المخابرات الفرنسية SDECE (Service de Documentation Extérieure et de Contre-espionnage و المخابرات الإسرائيلية والأمريكية على اختطاف واغتيال رمز الوحدة الوطنية ورمز التقدم السياسي و رمز التحرير و حامل المشروع الوطني الذي يهدف إلى بناء دولة حداثية، المعارض المغربي، المهدي بن بركة ، في أكتوبر 1965 ، و هو الحامل لمشروع “مؤتمر القارات الثلاث” (La Tricontinental). حيث تم اختياره رئيسا للجنة التحضيرية للمؤتمر الذي كان من المقرر أن ينعقد في هافانا بكوبا عام 1966.
و يهدف المشروع إلى توحيد أكثر من 80 حركة تحررية في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية في جبهة عالمية واحدة لمناهضة الاستعمار والإمبريالية. إن اغتيال هذا الرمز الذي أحب وطنه المغرب و اختبر جباله وسهوله و هو تلميذ و طالب و مقاوم. و من من أبرز القيادات الوطنية المغربية المناهضة للاستعمار الفرنسي و الاسباني ، و يعتبر من الموقعين على وثيقة الاستقلال عام 1944، و من الذين تعرضوا للاعتقال و إلى النفي، بين عامي 1951 و 1954 ، بسبب مواقفه الثابتة ومناهضته القوية للوجود الاستعماري الفرنسي و الإسباني .
إن اغتياله كان من أهداف الاستعماريين الجدد ، حتى تخلو لهم الساحة من أجل الاستفراد بالشعب المغربي و بثرواته الوطنية البرية و البحرية و خلق قاعدة من أذناب الاستعمار و من الأعيان و أصحاب الريع و شيوخ القبائل الموالين ، قاعدة تتمكن من التحكم في مصادر القرار و تتولى تسيير و تدبير الإدارة العمومية و الجيش حتى لا ينعم الشعب المغربي بالديمقراطية الحقة التي هي المدخل الرئيسي للعدالة الاجتماعية و المجالية و بناء دولة الحق والقانون و ينعم باستقلاله التام و باسترجاع جميع اراضيه التي ظلت تحت سيطرة الاستعمار الاسباني.
فبعد اختطاف و اغتيال المناضل الأممي المهدي استمرت الدولة في التضييق على الحريات العامة و القمع و الاختطافات و المحاكمات حتى الصورية منها في صفوف المعارضة : الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، مناضلي و مناضلات منظمة “إلى الأمام” و منظمة ” 23 مارس” … ما أصبح معروفا ب “أيام الجمر و الرصاص”. و بالموازاة مع ذلك عم الفساد و نهب المال العام و حياة الرشوة والارتشاء وسياسة الريع ونهب الثروة الوطنية، و إنه في غياب نظام ديمقراطي بدأت الانفلاتات الأمنية وسط الجيش المغربي ،إذ قام بعض ضباطه بعمليتين انفلابيتبن فاشلتين (1971 و 1972).
وإلى جانب الأزمة الأمنية التي عرفها القصر و الانفلات الأمني ، ظهرت بوادر أزمة الفساد و الرشوة و الاستبداد التي طالت جميع المرافق الإدارية والمالية والاقتصادية والاجتماعية ، حيث سيعرف المغرب في بداية السبعينات ضلوع وزراء في عملية فساد بالدار البيضاء في 1972 و هي القضية التاريخية الشهيرة التي عُرفت بـ “محاكمة الكبار” أو “محاكمة الوزراء”.
ورغم أن صكوك الاتهام والاعتقالات بدأت أواخر عام 1971 وعُقدت جلسات المحاكمة الكبرى وصدرت الأحكام في ديسمبر 1972 وامتدت تداعياتها القضائية والسياسية إلى عام 1973.
لقد ارتبطت القضية مباشرة بمدينة الدار البيضاء، حيث تفجرت الفضيحة بعد أن طلبت شركة الطيران الأمريكية “بانام” (Pan Am) ترخيصاً لبناء فندق فخم في قلب الدار البيضاء على أرض ثكنة عسكرية ، قام وزراء ومسؤولون مغاربة بابتزاز الشركة ومطالبتها بعمولات ورشاوى ضخمة لتسهيل المشروع.
وامتد الفساد ليصيب قطاعات استراتيجية منها على سبيل المثال قطاع الفوسفاط المغربي في فترة السبعينات الذي عرف انتكاسة واختلالات هيكلية عميقة عُرفت تاريخياً بـ “صدمة الفوسفاط المرتدة”. و هي الاختلالات التي أربكت الاقتصاد الوطني برمته وأدخلته في أزمة مديونية خانقة.
و كان مرد هذه الازمة إلى غياب ربط المسؤولية بالمحاسبة و الإفلات من العقاب . إنه في غياب تنزيل ديمقراطي حقيقي ينقذ البلاد من خطورة الانحدار الحاد في زمن الصعود تظل روح المهدي و أرواح كل الشهداء من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان تطارد مجرمي المال العام و مجرمي الانتهاكات الجسيمة و الجلادين و أوليائهم إلى الأبد.
-البدالي صافي الدين

