بقلم.د/السعيد أخي
لم يكن الفن في مختلف تجلياته مجرد مساحة للترفيه أو بحثاً عن المتعة الجمالية، بل ظل على امتداد التاريخ إحد أهم الوسائل التي عبّر من خلالها الإنسان عن ذاته، وعن أسئلته الكبرى، وعن علاقته بالمجتمع والوجود.
ومن هنا برز مفهوم الفن الملتزم والهادف باعتباره شكلاً من أشكال الإبداع الذي يجعل من الجمال مدخلاً إلى الوعي، ومن الإبداع جسراً نحو الإنسان وقضاياه.فالفن الملتزم لا يعني بالضرورة الفن الذي يرفع الشعارات أو يقدم خطابات مباشرة، وإنما هو ذلك الفن الذي يمتلك رؤية، ويعي مسؤوليته تجاه محيطه، ويطرح الأسئلة التي تشغل الإنسان والمجتمع، دون أن يتخلى عن شروط العمل الفني وقيمته الجمالية.
وتكمن إحدى أهم ركائز هذا الفن في المزاوجة بين الجمال والرسالة. فحين تتحول الرسالة إلى خطاب مباشر يفقد الفن جزءاً من قدرته على التأثير، وحين ينفصل الجمال تماماً عن القضايا الإنسانية قد يتحول الإبداع إلى مجرد استعراض شكلي. أما الفن الحقيقي فيستطيع أن يجمع بين قوة التعبير وعمق الفكرة، وأن يجعل المتلقي يستمتع بالعمل وفي الوقت نفسه يفكر فيما يطرحه من أسئلة.
كما يشكل الصدق أحد الثوابت الأساسية للفن الهادف. فالفنان الذي يلامس قضايا مجتمعه مطالب بأن يكون صادقاً في إحساسه ورؤيته، وأن يبتعد عن التزييف والمبالغة والابتذال. ولا يتعلق الأمر بأن يقدم الواقع كما هو فقط، بل بأن يمنحه قراءة فنية وإنسانية تساعد المتلقي على رؤيته من زوايا جديدة.
والفنان الملتزم هو من ينهل من تجربته وذاكرته الجماعية فهو دائم التفاعل مع التحولات التي يعيشها المجتمع يلتقط نبض الناس ويمنح صوتاً للأسئلة التي قد لا تجد طريقها بسهولة إلى المجال العام من خلال الموسيقى والسينما والشعر والتشكيل وغيرها من الأشكال الإبداعية هنا يستطيع الفن أن يصبح مساحة للحوار حول قضايا الإنسان وأن يسهم في ترسيخ قيم التسامح والتضامن والعدالة واحترام الاختلاف.
غير أن الالتزام الفني لا ينبغي أن يتحول إلى وصاية على الجمهور أو إلى دعاية. فالفن يفقد جزءاً من استقلاليته عندما يصبح مجرد أداة لترويج فكرة جاهزة أو موقف مفروض.
والالتزام الحقيقي يظل مرتبطاً بحرية الفنان وقدرته على السؤال والاختلاف والنقد لأن الإبداع لا يزدهر في فضاء التلقين وإنما في فضاء الحرية والمسؤولية.
ومن هنا أيضاً تأتي أهمية المسؤولية الأخلاقية للفنان فالكلمة والصورة والموسيقى قادرة على التأثير في الوعي والسلوك، ولهذا فالإبداع لا يتعارض مع المسؤولية فالفنان ليس مطالباً بإرضاء الجميع، لكنه مطالب بأن يدرك أثر ما ينتجه من ابداع ، وأن يميز بين الجرأة الفنية التي توسع أفق التفكيروالاستفزاز المجاني الذي لا ينتج سوى الضجيج. وفي زمن تتسارع فيه وسائل التواصل وتتراجع فيه أحياناً الحدود بين الفن الحقيقي والمحتوى الاستهلاكي السريع، تزداد الحاجة إلى إعادة الاعتبار للفن الذي يملك قيمة فنية وفكرية وإنسانية، فليست كثرة المشاهدات وحدها معياراً لقيمة العمل، ولا انتشار العمل دليلاً بالضرورة على عمقه ، حيث إن الأعمال الفنية الكبرى كثيراً ما تتجاوز لحظتها الآنية لتتحول إلى ذاكرة ووجدان.إن الفن الملتزم والهادف لا يفرض على الإنسان ما ينبغي أن يفكر فيه، بل يساعده على أن يفكر.
ولا يقدم دائماً أجوبة جاهزة، وإنما يفتح نوافذ جديدة للسؤال والتأمل. وهذه في جوهرها إحدى أرقى وظائف الفن أن يجعل الإنسان يرى ذاته ومجتمعه والعالم من حوله بعين أكثر وعياً وحساسية.
ولذلك فإن ثوابت الفن الهادف ليست في الشعارات وإنما في الجمال والصدق والحرية والوعي والمسؤولية واحترام الإنسان وعندما تجتمع هذه العناصر، يصبح الفن أكثر من مجرد تعبير إبداعي فقد يتحول الى ذاكرة للمجتمع ومرآة لتحولاته وفضاءً للحوار وقوة ناعمة قادرة على صناعة الوعي وترسيخ القيم وترك أثر يتجاوز حدود اللحظة.فالفن الذي يعيش طويلاً ليس بالضرورة هو الأفضل، وإنما ذلك الذي يترك أثراً في الإنسان.
