تنتهي المعارك الانتخابية عادةً بلغة الأرقام الصماء؛ رابح وخاسر، ومقاعد تُنتزع وأخرى تُفقد. لكن خلف حسابات الصناديق في الاستحقاقات التشريعية التي جرت يوم 23 سبتمبر 2026 بدائرة السراغنة-زمران، تكمن قراءة سياسية واجتماعية أعمق يتداولها العارفون بخبايا الشأن المحلي بمرارة بالغة: لقد ضاعت من الإقليم فرصة ذهبية لا تتكرر كثيراً.
فقد أفرزت النتائج الرسمية حسم المقاعد المخصصة للدائرة لصالح أطراف أخرى، وبهذا لم يتمكن ابن الإقليم البار، المهندس والخبير الدولي مولاي أحمد التومي، وكيل لائحة حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، من بلوغ قبة البرلمان. وما هذا الغياب سوى خسارة حقيقية لساكنة كانت في أمس الحاجة إلى بروفايل من طينته داخل لجان القرار بالرباط.
كفاءة وطنية بامتداد دولي.. عملة نادرة في زمن «العقم السياسي»
حين نتحدث عن مولاي أحمد التومي، فإننا لا نتحدث عن مرشح تقليدي يقتصر طموحه على الوجاهة الاجتماعية، بل عن قيمة علمية وإدارية رفيعة تشرّف الإقليم بأكمله. فهو خريج كبريات المدارس الفرنسية والمدرسة الوطنية العليا للمواصلات بباريس وجامعة «جورج تاون» بواشنطن، وقاد لولايتين متتاليتين منظمة دولية كبرى للاتصالات الفضائية (ITSO) في الولايات المتحدة، قبل أن يضع خبرته الطويلة رهن إشارة وطنه كمستشار وزاري ورئيس لجماعة سيدي عيسى بن سليمان.
هذا المزيج الفريد بين الخبرة التقنية العالية والتجربة التدبيرية الدولية والوطنية هو بالضبط ما افتقده إقليم قلعة السراغنة؛ فالمقعد البرلماني في نظريات التنمية الحديثة لم يعد مجرد رقم عددي لتأثيث الخريطة الحزبية، بل هو «منصة ترافع شرسة» تحتاج إلى كاريزما وازنة قادرة على صياغة الملفات المعقدة وانتزاع المشاريع الكبرى من كواليس الوزارات.
حملة نظيفة.. و8000 صوت من نور
لقد خاض مولاي أحمد التومي غمار هذه المحطة الانتخابية بمعركة نظيفة تماماً، لم تُسجل ضدها أية خروقات، ولم تعتمد لا على لغة المال الحرام ولا على الإغراءات الموسمية.وحين حصد نحو 8000 صوت ناصع، فإن الرقم لم يكن مجرد حصيلة رقمية في محضر، بل كان شاهداً حياً على عفاف الرجل ومعدنه الخالص؛ فلم يُعرف عنه طوال مشواره السياسي أن مدت يده قط إلى المال العام، بل ظل قنوعاً، مترفعاً، ومؤمناً بأن العمل السياسي رسالة أخلاقية قبل أن يكون سباقاً للمواقع.إنها أصوات نابعة من اقتناع حر، وتزن رمزياً وأخلاقياً أضعاف أرقام أخرى حامت حولها الشبهات.
عندما يغيب «مهندس الترافع» عن قضايا الإقليم
يعلم الجميع حجم التحديات الحارقة التي تواجه إقليم قلعة السراغنة، وعلى رأسها أزمة مياه السقي ومخلفات الجفاف، هشاشة البنية التحتية، تعثر الرعاية الصحية، ومعضلة تشغيل الشباب.ولأن المهندس أحمد التومي بصم سابقاً على حضور وازن داخل لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بالبرلمان، وساهم في تشريع قوانين تهم الاستثمار ودعم المقاولات الصغرى، فإن غيابه اليوم يعني -بواقعية مريرة- أن الساكنة حرمت من «مُحامٍ من طراز رفيع» يملك المفاتيح المعرفية والعلاقات المتشعبة لفتح الأبواب المغلقة بالعاصمة.
لقد أفرزت الصناديق خريطتها بفعل تشتت الأصوات والحسابات المحلية الضيقة، وهو أمر يدخل في صميم اللعبة الديمقراطية. غير أن التقييم البعدي للمشهد يوضح بجلّاء أن الإقليم هو من يدفع الثمن الأكبر جراء تفويت هذه القامة الوطنية.
الخسارة الحقيقية.. أين تكمن؟
إن الشخصية العمومية الوازنة مثل مولاي أحمد التومي لا تستمد قيمتها من «بطاقة برلمانية» مؤقتة أو مقعد زائل؛ فالرجال الكبار يستمدون ثقلهم من كفاءتهم العلمية، وتاريخهم المشرف، ونظافة يدهم، وحب الناس لهم.
الخسارة الحقيقية تتجرعها التنمية المحلية بالإقليم التي ستنتظر طويلاً لتعويض هذا الفراغ المهول، وإيجاد صوت يملك نفس الهيبة والوزن والقدرة على التخطيط الاستراتيجي.
لقد وضعت الحرب الانتخابية أوزارها، لكن الأسئلة الحارقة بدأت تولد الآن في صالونات القلعة ومقاهيها وجماعاتها: من سيترافع بذكاء المهندس وخبرة الخبير عن مشاريعنا العالقة؟
خاتمة الوفاء: قلعة السراغنة لا زالت تريدك
تُنهي صناديق الاقتراع سباقاً، لكنها لا تنهي أبداً مسار الأحرار. وإذا كان المقعد قد ضاع بحسابات الأرقام، فإن قلوب محبي مولاي أحمد التومي وأنصاره ما زالت تعتصر ألماً لهذا الضياع الذي طال الإقليم قبل أن يطال الأشخاص.
إلى المهندس والخبير الذي لم يلوث يده يوماً، ولم يساوم على المبادئ:
إن قلعة السراغنة، بأرضها وشرفائها، ما زالت في أمسّ الحاجة إليك، وما زالت الساكنة تدرك تمام الإدراك قيمتك وما كنت ستضيفه. قد تخسر المعركة الانتخابية مؤقتاً، لكنك حزت الأهم: نقاء السريرة، ومحبة الأوفياء، وضماداً لا يزول من قلوب من يعرفون معدن الرجال الحقيقيين. الإقليم ما زال يريدك، والعهد بين الأحرار مستمر
-مصطفى لحميدي
