رأي

لكل جواد كبوة… فهل آن أوان المراجعة الاتحادية الكبرى؟

*بقلم عبد الرحمان سوسو

ارتبطنا كاتحاديات واتحاديين بهذا الحزب العتيد ارتباط قناعات بالإيديولوجيا والمبادئ والمواقف. لا ارتباط مصالح ومقاعد. انتمينا إلى الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لأننا وجدنا فيه مدرسة للنضال، ومنبرا للديمقراطية، وصوتا للعدالة الاجتماعية والكرامة والمساواة، لا لأنه كان طريقا سهلا إلى موقع أو مسؤولية أو مقعد.

ولطالما قلنا إن المقاعد تأتي وتذهب، وإن ما يبقى هو الموقف والمبدأ والمشروعية المجتمعية.

ولذلك فإن كبوة انتخابية. مهما كانت مؤلمة. لا ينبغي أن تدفعنا إلى اليأس أو التنكر لتاريخ حزبنا. فلكل جواد كبوة. لكن الكبوة تصبح خطرا حين نرفض الاعتراف بها أو نبحث عن تبرير لها بدل استخلاص الدروس منها.واليوم .

أعتقد أن اللحظة تفرض علينا أن نتحدث بصراحة. وبقدر كبير من المسؤولية،بعيدا عن المجاملات والحسابات الشخصية.لقد أصبح من الضروري أن نسأل أنفسنا:

أين نحن من الاتحاد الذي عرفناه؟ وأين نحن من قيم الانتماء والنضال والتأطير والتكوين؟ وهل ما زالت اختياراتنا التنظيمية والسياسية تعكس فعلاً الروح التي تأسس عليها الحزب؟ان من حق الاتحاديين أن يطرحوا هذه الأسئلة، بل إن من واجبهم طرحها.

فالمسؤولية السياسية لا تعني الاحتفال عند الانتصار فقط، ولا البحث عن الأعذار عند التراجع، وإنما تعني امتلاك الشجاعة للاعتراف بمواطن الخلل وتحمل المسؤولية عنها.ومن بين القضايا التي تستحق نقاشا عميقا . طبيعة الاستقطاب السياسي والتنظيمي الذي عرفه الحزب في السنوات الأخيرة. ومدى انسجامه مع بناء تنظيم قوي قائم على المناضلات والمناضلين والكفاءات والشباب.

فالاستقطاب الانتخابي للأعيان، في حد ذاته، لا يمكن أن يكون بديلاً عن بناء حزب حقيقي. والحزب الذي يراهن فقط على القدرة على جلب الأصوات قد يجد نفسه. عاجلا أو آجلا، أمام سؤال أكبر: ماذا بقي من الانتماء حين تنتهي الانتخابات؟

إن الاتحاد الاشتراكي يحتاج إلى مناضلات ومناضلين يعرفون تاريخه، ويحملون قيمه. ويؤمنون بمشروعه. ويستطيعون الدفاع عنه في المجتمع. فالانتماء ليس بطاقة عضوية.ولا صورة في حملة انتخابية. ولا وسيلة للوصول إلى موقع.

الانتماء موقف وقناعة والتزام.والمؤلم أكثر أن نرى أحيانا أشخاصا يتم استقطابهم دون أن تكون لهم معرفة حقيقية بتاريخ الحزب أو رموزه أو حتى اسمه ومضامين مشروعه. وقد تبدو هذه التفاصيل صغيرة، لكنها تكشف، في رأيي، عن سؤال أكبر يتعلق بعمق الانتماء وطبيعة بناء التنظيم.لقد آن الأوان، في تقديري، لكي نتوقف عن التعامل مع كل نقد باعتباره خصومة، ومع كل سؤال باعتباره تشويشا.

ومع كل اختلاف باعتباره خروجاً عن الصف.الحزب القوي هو الحزب الذي يسمح لنفسه بأن يسمع النقد من داخله قبل أن يسمعه من خارجه.

ومن هنا، فإن المرحلة الحالية تحتاج إلى شجاعة اتحادية استثنائية: شجاعة الاعتراف، وشجاعة النقد، وشجاعة المراجعة، وشجاعة تحمل المسؤولية.

ولذلك أرى أن الدعوة إلى مؤتمر استثنائي يجب أن تكون اليوم موضوع نقاش جدي ومسؤول داخل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.مؤتمر لا يكون مناسبة لتبادل الاتهامات، ولا لتصفية الحسابات. وإنما محطة سياسية وتنظيمية لإعادة قراءة المرحلة، وتقييم الاختيارات. والاستماع إلى القواعد والمناضلات والمناضلين. وتجديد الثقة. وفتح ورش إعادة البناء.

وفي هذا الإطار، أعتقد أن من حق الاتحاديين أيضا أن يناقشوا، بكل صراحة ومسؤولية، مسألة القيادة والمسؤولية السياسية عن المرحلة، بما في ذلك مستقبل القيادة الحالية. وعلى رأسها الكاتب الأول الأخ إدريس لشكر.وأقول ذلك دون خصومة شخصية. ودون إنكار لما قدمه أي مسؤول، ودون اختزال تاريخ الحزب في شخص أو قيادة.

فالمسألة بالنسبة لي أكبر من الأشخاص: إنها مسألة مستقبل حزب عريق، ومسألة قدرة التنظيم على تجديد نفسه واستعادة المبادرة والثقة والمصداقية.وقد يكون فتح هذا النقاش، بما فيه إمكانية التداول المسؤول حول استقالة القيادة أو تجديدها عبر المؤسسات الحزبية. مدخلاً لإعادة ترتيب البيت الاتحادي وإعطاء نفس جديد للحزب.

والمهم أن يتم ذلك عبر المؤسسات، وباحترام الديمقراطية الداخلية، وبما يحفظ وحدة الحزب وكرامة مناضلاته ومناضليه.لسنا في حاجة إلى جلد الذات، ولا إلى التنكر لتاريخنا، ولا إلى البحث عن كبش فداء.لكننا في حاجة إلى شيء أصعب:

أن نمتلك الشجاعة لننظر إلى المرآة.أن نعترف بما أصابنا، وأن نسأل لماذا ابتعدنا عن بعض قيمنا، ولماذا تراجع حضورنا في بعض الأوساط الاجتماعية والشبابية، ولماذا لم تعد صورة الاتحاد الاشتراكي في المجتمع دائماً هي الصورة التي صنعها تاريخ رجاله ونسائه ومناضليه.فالقيادات تتغير، والنتائج الانتخابية تتبدل. والمراحل السياسية تنتهي وتبدأ.أما الحزب، إذا كان وفيا لفكرته. فيجب أن يستمر.

نحن لا نريد اتحادا اشتراكيا يعيش على أمجاد الماضي، ولا اتحادا يختزل وجوده في عدد المقاعد. نريد اتحادا يستعيد مناضليه، ويستعيد شبابه. ويستعيد حضوره الفكري والمجتمعي. ويعيد بناء الثقة. ويسترجع مكانته كقوة سياسية وفكرية ونضالية.

ولذلك، فإن هذه اللحظة ليست لحظة صمت.إنها لحظة سؤال.ولحظة مراجعة.ولحظة مسؤولية.فلكل جواد كبوة، لكن قيمة الجواد الأصيل لا تقاس بعدم السقوط، وإنما بقدرته على النهوض واستعادة الطريق.والاتحاد الاشتراكي بما يمثله من تاريخ وتضحيات وأجيال من المناضلات والمناضلين. يستحق أن ينهض.يستحق مراجعة شجاعة.يستحق تجديداً حقيقياً.ويستحق أن تعود بوصلته إلى حيث كانت دائما: إلى الإنسان، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، والحرية.والكرامة. والانتماء الاتحادي الأصيل.

أخبار تساوت

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AKHBARTASSAOUT @2023. All Rights Reserved.