رأي

من الحملة الانتخابية إلى الفوضى الانتخابية: قلعة السراغنة تستحق نموذجًا آخر

المصطفى حرمة الله

في قلعة السراغنة، كما في مناطق أخرى من المغرب، يفترض أن تكون الحملة الانتخابية مناسبة للتنافس الديمقراطي، وطرح البرامج، والتواصل مع المواطنين، وإقناعهم بالتصويت على من يرونه أهلًا لتحمل المسؤولية.

لكنها، في بعض مظاهرها، تتحول أحيانًا إلى مشهد يسيء إلى جوهر العملية الانتخابية، ويجعلنا نتساءل: هل نحن أمام حملة للتعريف بالبرامج، أم أمام ممارسات تعيد إنتاج الفوضى نفسها التي نريد من المنتخبين محاربتها؟

من بين التشوهات التي تستحق التوقف عندها، استغلال القاصرين وتشغيلهم في الحملات الانتخابية، وهو أمر لا ينبغي التعامل معه باعتباره تفصيلًا عابرًا أو مشهدًا عاديًا.

فالأطفال والقاصرون ليسوا أدوات للدعاية السياسية، ولا ينبغي الزج بهم في أجواء انتخابية قد لا يدركون طبيعتها أو تبعاتها. واحترام القانون وحماية القاصرين مسؤولية جماعية، تزداد أهميتها في مناسبة يفترض أن تكون درسًا في المواطنة والالتزام.

ومن المشاهد التي تسيء كذلك إلى صورة الأحزاب والمرشحين، ترك مخلفات الحملات الانتخابية في الشوارع والأزقة: أوراق، ومنشورات، ولافتات، وأكياس، وغيرها من النفايات التي تتحول بعد انتهاء التجمعات إلى عبء على الساكنة وعمال النظافة.

فكيف يمكن لمن يطلب ثقة المواطنين من أجل تدبير الشأن العام أن يترك وراءه مشهدًا يناقض أبسط قواعد النظافة والمسؤولية؟

إن الحملة الانتخابية ليست استثناءً من احترام البيئة والملك العمومي، بل هي فرصة لإظهار الالتزام بذلك عمليًا.ولا يقل خطورة عن ذلك ما قد يصدر عن بعض أعضاء الحملات من كلام نابي أو سلوك غير لائق.

فالاختلاف السياسي لا يبرر السب أو الإهانة أو الاستفزاز، ولا يمكن أن تكون المنافسة الانتخابية مبررًا للتخلي عن الأخلاق. إن من يعجز عن احترام منافسه أو المواطن أثناء الحملة، يصعب عليه أن يقنع الناس بأنه سيحترمهم حين يصبح في موقع المسؤولية.

هل يمكن أن نقدم نموذجًا انتخابيًا مختلفًا؟ نعم، ويمكن أن يبدأ ذلك بفكرة بسيطة وعملية: أن تعلن الأحزاب والمرشحون عن برنامج تواصلي واضح، يحدد موعد ومكان التجمعات، وينتقل كل يوم إلى قرية أو مدينة أو جماعة، بدل الاكتفاء بالتجمعات الصاخبة أو التواصل الموسمي المحدود.فمثلًا، يمكن أن يكون البرنامج على النحو الآتي:

* اليوم: لقاء تواصلي مع ساكنة العطاوية.*

غدًا: لقاء مع ساكنة تملالت.

* بعد غد: لقاء في العرارشة.

* ثم الانتقال إلى قرى ومناطق أخرى، وفق برنامج معلن ومتاح للجميع.لكن الأهم ليس فقط الإعلان عن المكان والزمان، بل طبيعة اللقاء نفسه.

نريد تجمعات يسودها الهدوء والسكينة، وحوار مسؤول وبناء، تتحدث فيه الساكنة عن همومها ومشاكلها، ويستمع المرشحون إليها بجدية، ويقدمون إجابات واضحة، وبرامج قابلة للنقاش، والتزامات يمكن محاسبتهم عليها.

نريد أن نسمع عن مشاكل الماء، والصحة، والتعليم، والطرق، والنقل، والتشغيل، والفلاحة، والبيئة، والإنارة، والتعمير، والخدمات الاجتماعية، وغيرها من القضايا التي تشغل المواطنين.

ونريد أن نعرف: ما الذي يستطيع المرشح فعله فعلًا؟ وما الذي يدخل في اختصاصه؟ وما الذي يحتاج إلى شراكات وموارد وقرارات من جهات أخرى؟فالمواطن لا يحتاج إلى وعود فضفاضة بقدر ما يحتاج إلى الصدق والوضوح والواقعية.

إن الحملة الانتخابية ليست مجرد فترة لجمع الأصوات، بل هي مناسبة لتقديم نموذج عن السلوك السياسي الذي نريده داخل مؤسساتنا. فإذا كانت الحملة تقوم على الضجيج، والتجريح، وتلويث الشوارع، واستغلال القاصرين، والوعود غير المسؤولة، فكيف ننتظر منها أن تفرز ممارسة سياسية مختلفة؟

أما إذا قامت على الحوار، واحترام القانون، ونظافة الفضاء العام، وحسن الاستماع، وتقديم البرامج، واحترام المنافسين، فإنها تصبح مدرسة حقيقية للمواطنة، وتمنح المواطن فرصة لاتخاذ قرار أكثر وعيًا ومسؤولية.

إن إقليم قلعة السراغنة، بمدنه وقراه وساكنته، تستحق حملة انتخابية تليق بها؛ حملة لا يُقاس نجاحها بعدد السيارات أو مكبرات الصوت أو حجم الحشود، وإنما بجودة الحوار، ووضوح البرامج، واحترام المواطن، ونظافة المكان، والالتزام بالقانون.

فلنجعل من الحملة الانتخابية مناسبة للتنافس في خدمة الناس، لا للتنافس في إزعاجهم. ولنجعل من كل لقاء فرصة للاستماع، لا مجرد مناسبة لإلقاء الشعارات.

فالديمقراطية لا تبدأ يوم التصويت فقط، بل تبدأ من الطريقة التي نخاطب بها المواطن، ونحترم بها عقله وكرامته وحقه في الاختيار.

قلعة السراغنة تستحق حملة انتخابية هادئة، نظيفة، قانونية، ومسؤولة… حملة تُقنع بالبرنامج، لا بالضجيج.

أخبار تساوت

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AKHBARTASSAOUT @2023. All Rights Reserved.