بقلم : المصطفى لحميدي
الجوع ليس مجرد معدة فارغة، وليس مجرد إحساس ينتهي بعد وجبة. الجوع أحياناً حكاية كاملة يعيشها الإنسان بصمت، ولا يعرف تفاصيلها إلا من ذاقها.
الجوع هو أب يعود إلى بيته في المساء خالي اليدين، وقد أنهكه البحث عن عمل أو مصدر رزق، ثم يدخل إلى المنزل ويحاول أن يخفي قلقه عن أبنائه. يسألونه: ماذا أحضرت لنا؟ فيبتسم ويقول: «غداً إن شاء الله». ثم يجلس في زاوية من البيت، وهو يفكر كيف سيدبر ثمن الخبز والحليب ومصاريف المدرسة.
الجوع أيضاً أم تفتح الثلاجة فلا تجد إلا القليل، فتقسم ما تبقى بين أبنائها، وتعطي كل واحد منهم نصيبه، ثم تقول لهم إنها ليست جائعة. هي في الحقيقة جائعة، لكنها تختار أن يجوع جسدها حتى يشبع أطفالها.
والجوع أن يمر الفقير أمام محلات الخضر والفواكه، فيرى أمامه أنواعاً كثيرة وألواناً مختلفة، لكنه لا يستطيع شراءها. يقف وينظر، ثم يواصل طريقه، لأن ثمن كيلو من الفاكهة قد يكون فوق قدرته.والجوع أيضاً أن يقف أمام طاولات اللحوم المعروضة في الأسواق، يرى الناس يشترون ما يحتاجون إليه، بينما يكتفي هو بالنظر.
قد يتمنى أن يأخذ كيلوغراماً واحداً من اللحم إلى بيته، لكن شراءه بالنسبة إليه يصبح من الأمور التي يصعب تحقيقها.وقد تكون أصعب لحظات الفقر أن يرى الإنسان ما يشتهيه أمام عينيه، ثم يعرف أنه لا يستطيع الوصول إليه، ليس لأنه لا يريده، ولكن لأن جيبه لا يسمح له بذلك.
وفي الجهة الأخرى، توجد موائد عامرة بالطعام. أطباق كثيرة، وأنواع متعددة، وما يزيد عن الحاجة ينتهي أحياناً في سلة المهملات.
لا أحد يتساءل أين يمكن أن تذهب هذه النعمة، ولا من يحتاج إليها، بينما يوجد في نفس المدينة من يمر عليه اليوم ثقيلاً لأنه لا يعرف من أين سيأتي بعشاء أسرته.ليس المقصود من هذا الكلام أن يكون الغنى جريمة، أو أن يعيش الغني في الفقر حتى يشعر بالفقير.
من حق الإنسان أن يستمتع بما رزقه الله، وأن يعيش حياة كريمة، وأن يوفر لأسرته ما تحتاج إليه.لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول المال إلى جدار يفصل الإنسان عن الناس، وعندما تصبح كثرة النعم سبباً لنسيان من لا يجد أبسط الضروريات.
في أحيائنا ومدننا، نرى صوراً كثيرة لهذا الواقع. نرى أرملة تحاول أن تدبر بيتها بما تملك، ورجلاً مسناً ينتظر معاشاً لا يكاد يكفيه لأيام قليلة، وشاباً يحمل أوراقه من إدارة إلى أخرى بحثاً عن فرصة عمل، وأسرة تؤجل شراء بعض الحاجات الأساسية لأنها لا تملك ثمنها.
وقد نمر بجانب هؤلاء كل يوم دون أن نعرف قصتهم.نراهم في السوق، وفي الحافلة، وأمام المستشفى، وعند أبواب الإدارات، وفي الأحياء الشعبية. نراهم يطلبون المساعدة أحياناً، ونضيق بهم أحياناً أخرى، وكأن الفقر اختيار اختاره صاحبه.لكن الحقيقة أن كثيراً من الناس لم يختاروا ظروفهم.هناك من فقد عمله، وهناك من أصابه المرض، وهناك من تحمل مسؤولية أسرة كبيرة، وهناك من عاش طوال حياته في ظروف صعبة، وهناك من اجتهد ولم يجد فرصة حقيقية.ولذلك، فإن الفقير لا يحتاج دائماً إلى من يعطيه المال فقط، بل يحتاج أيضاً إلى من يحترمه.قد تعطي إنساناً مبلغاً صغيراً وتترك في قلبه ألماً كبيراً إذا عاملته باحتقار.
وقد تعطيه شيئاً بسيطاً، لكنك تقوله بكلمة طيبة وتحفظ كرامته، فيكون عطاؤك أكبر من قيمته المادية.فاليد التي تعطي ليست دائماً أفضل من اليد التي تأخذ. فقد يأتي يوم يحتاج فيه الغني إلى من يقف بجانبه، كما يحتاج الفقير اليوم إلى من يقف بجانبه.الحياة تتغير، والظروف تتبدل، ولا أحد يضمن ما سيحدث له غداً.كم من شخص كان يعيش في راحة، ثم تغيرت حياته بسبب مرض أو فقدان عمل أو أزمة مفاجئة. وكم من شخص كان يملك الكثير، ثم وجد نفسه محتاجاً إلى مساعدة أقرب الناس إليه.لهذا، فإن مساعدة المحتاج ليست مجرد صدقة عابرة، بل هي نوع من التضامن الذي يحافظ على تماسك المجتمع.عندما يساعد الجار جاره، والقريب قريبه، وصاحب المال من يحتاج إليه، يشعر الإنسان بأنه ليس وحده في هذه الحياة.
وفي مجتمعنا، ما زالت قيم التضامن والتكافل موجودة، وما زال كثير من الناس يفتحون أبوابهم لجيرانهم وأقاربهم، ويقدمون الطعام لمن يحتاج، ويساعدون المرضى والأرامل والأيتام.وهذه من أجمل الأشياء التي ينبغي الحفاظ عليها.لكننا نحتاج أيضاً إلى أن يكون التضامن عادة دائمة، لا شيئاً يحدث فقط في رمضان أو في المناسبات.الفقر لا يأتي في شهر معين، والجوع لا ينتظر مناسبة، والحاجة لا تعرف تاريخاً.قد يكون شخص جائعاً اليوم، وقد يكون مريضاً اليوم، وقد يحتاج إلى مساعدة اليوم.لذلك، فإن الخير الحقيقي هو الذي يصل إلى الإنسان عندما يكون في حاجة إليه.
وفي النهاية، لا يمكن أن نقيس قيمة الإنسان بما يملك من مال أو عقارات أو سيارات أو موائد فاخرة.قد تجد إنساناً فقيراً، لكنه كريم النفس، يساعد من حوله بما يستطيع. وقد تجد إنساناً غنياً، لكنه لا يستطيع أن يعطي حتى كلمة طيبة.الغنى الحقيقي ليس دائماً في كثرة المال، وإنما في سعة القلب.والمشكلة ليست أن تكون مائدتك كبيرة، بل أن تكون المائدة كبيرة إلى درجة تجعلك لا ترى من يقف خارجها.ليس المطلوب أن يتخلى الإنسان عن نعمه، وإنما أن يتذكر أن النعمة مسؤولية أيضاً.إذا كان لديك طعام زائد، فهناك من يحتاج إليه. وإذا كان لديك مال زائد، فهناك من يمكن أن تغير حياته بمساعدة بسيطة.
وإذا كانت لديك قدرة أو فرصة عمل، فقد تكون قادراً على فتح باب أمام شخص يبحث عنه منذ سنوات.ربما لن نستطيع حل مشكلة الفقر كلها، لكننا نستطيع أن نخفف معاناة شخص واحد.وربما لا نستطيع تغيير حياة الجميع، لكننا نستطيع أن نجعل حياة إنسان واحد أقل قسوة.فالمائدة لا تصبح أجمل بكثرة ما عليها، وإنما بما تمنحه من خير.والمال لا تزداد قيمته عندما يبقى محبوساً، بل عندما يتحول إلى شيء ينفع الناس.
أما أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان وراءه، فليس بيتاً كبيراً ولا حساباً ممتلئاً، وإنما أثر طيب في قلب إنسان كان محتاجاً، فوجد يداً تمتد إليه دون سؤال، وقلباً يرحمه دون إهانة.فالجوع ليس أن لا تجد ما تأكل فقط، بل أن ترى ما تشتهي أمام عينيك، ثم تعود إلى بيتك وأنت تعرف أنك لا تستطيع شراءه.

