عدالة وقانون

مشروع قانون المحاماة بين الرفض المهني والتعثر المسطري: قراءة في الأبعاد السياسية والقانونية للأزمة

د. ابراهيم النوحي

تعيش الساحة القضائية والحقوقية في المغرب على وقع أزمة غير مسبوقة بطلها مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، والذي تحول من نص يهدف إلى تحديث الإطار المنظم لأصحاب البذلة السوداء إلى بؤرة توتر أدت إلى شلل شبه تام في المحاكم نتيجة الإضرابات والاعتصامات.

وفي خضم مسارعة المؤسسة التشريعية للمصادقة على النص والموقف الصارم للمحكمة الدستورية، تتداخل الأبعاد القانونية بالرهانات السياسية في مشهد معقد يفتح الباب أمام قراءات متعددة.

لم يكن الرفض المهني الواسع لمقتضيات هذا المشروع مجرد دفاع عن مصالح فئوية ضيقة، بل استند إلى ما اعتبرته هيئات المحامين تراجعات خطيرة تمس جوهر استقلالية المهنة.

وقد تجلى هذا الرفض في اعتراضات مفصلية شملت محاولة إخضاع حساب ودائع وأداءات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، وهو ما ترفضه الهيئات رفضا قاطعا باعتبار تلك الأموال تعود للمتقاضين ولا تندرج ضمن المال العام. كما امتدت الاعتراضات لتشمل التعديل القاضي بمنع النقباء من الترشح لولاية ثانية، والذي اعتبر تدخلا مباشرا في آليات التنظيم الذاتي والديمقراطي للهيئات، إلى جانب الانتقادات الموجهة لرفع سن الولوج إلى المهنة إلى 50 سنة وفرض تكوين مستمر تشرف عليه جهات خارجية، فضلا عن التحفظ الشديد على القيود الجديدة المفروضة على الترافع أمام محكمة النقض دون إجراء دراسة مسبقة للأثر.

وأمام حالة الاحتقان هذه، اتجهت الأنظار نحو المحكمة الدستورية بعد إحالة النص عليها من طرف رئيس مجلس النواب، غير أن قرارها الصادر في 10 غشت 2026 حمل مفاجأة كبرى بتعذر البت في الإحالة. لم يستند هذا القرار إلى تقييم لمضمون القانون، بل جاء نتيجة خلل مسطري جوهري تمثل في إغفال إرفاق النسخة النهائية المكتملة التي صادق عليها مجلس المستشارين، والاكتفاء بتقرير اللجنة ونسخة الغرفة الأولى.

وقد جعل هذا النقص محل الرقابة الدستورية غير متوفر واقعيا، ليؤكد القضاء الدستوري المغربي مجددا صرامته في احترام الشكليات الجوهرية للمسطرة التشريعية ورفضه البت في نصوص غير مكتملة المصادقة.

ويطرح هذا التعثر المسطري القادم من قبة البرلمان دلالات سياسية وقانونية تتأرجح بين التفسير التقني والتوظيف السياسي. فمن جهة، يمكن اعتبار هذا الخلل نتيجة مباشرة لحالة الارتباك والتسرع التي طبعت مسار المصادقة على القانون في ظرف زمني قياسي لا يتعدى يومين لتمريره قبل انقضاء الدورة التشريعية، مما أوقع المؤسسة في هفوة إدارية.

ومن جهة أخرى، تبرز القراءة السياسية التي ترى في هذا التعثر مخرجا مؤقتا لامتصاص الغضب، إذ أن صدور قرار يؤكد دستورية القانون في أوج الاحتقان كان سيشعل فتيل تصعيد غير مسبوق.

وبالتالي، يشكل قرار تعذر البت فرملة اضطرارية تمنح الفاعلين السياسيين والحكوميين مساحة زمنية ثمينة لتبريد الأزمة.

ومجمل القول إن أزمة قانون المحاماة تقف اليوم في منطقة رمادية، حيث يشكل التأجيل الدستوري فرصة تاريخية لإعادة فتح قنوات الحوار الهادئ والمسؤول مع جمعية هيئات المحامين بالمغرب، لأن إنهاء حالة الاحتقان وإعادة السير العادي لمرفق العدالة يتطلب تغليب لغة التوافق والابتعاد عن منطق فرض الأمر الواقع، بما يضمن استقلالية مهنة المحاماة ويحمي حقوق المتقاضين.

أخبار تساوت

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AKHBARTASSAOUT @2023. All Rights Reserved.