محمد الطالبي
حين توحد المغاربة في الحزن على ضحايا سبتة المغربية المحتلة، بقيت الحكومة غائبة، فلا بيان، ولا تعليق، ولا حتى كلمة عزاء تواسي الأسر المكلومة.
مع كل تحيين إسباني للائحة ضحايا الغرق على أسوار سبتة المغربية المحتلة، لا ترتفع الأرقام فقط، بل تتسع دائرة الأمهات الثكالى والآباء المكلومين، ويكبر وجع وطن يفقد أبناءه وهم يبحثون عن حياة تليق بكرامتهم.لم يكونوا مجرمين، ولا مغامرين بحثًا عن الإثارة، بل كانوا شبابًا وفتيات حملوا أحلامهم فوق أمواج بحر لا يرحم.
كانوا حفاة، عراة إلا من الأمل، يطاردون الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وهي حقوق إنسانية يفترض أن يجدها الإنسان في وطنه، لا أن يخاطر بحياته من أجلها.إنها ليست مأساة بحر فحسب، بل مأساة واقع.
حين يصبح البحر أقل قسوة من اليابسة، ويغدو المجهول أكثر رحمة من الحاضر، فذلك يعني أن شيئًا عميقًا قد انكسر.في بلد تتغول فيه المصالح، ويتسع فيه نفوذ السماسرة والانتهازيين، وتبتلع الحيتان الكبيرة نصيب الضعفاء، وجد آلاف الشباب أنفسهم أمام خيار واحد: المجازفة بالحياة أملًا في مستقبل أفضل.
العالم كله تحدث عن هذه المأساة، وتابعت وسائل الإعلام والمنظمات الدولية أخبار الضحايا والمفقودين، بينما بقيت الحكومة صماء. لم تقدم خبرًا يطمئن العائلات، ولم تصدر تعليقًا يواكب حجم الفاجعة، ولم تجد حتى كلمة عزاء تخفف عن الأمهات والآباء المكلومين.
كان عزاء المغاربة واحدًا، أما الحكومة فلم تُعزِّ أبناءها، وكأن هذا النزيف لا يعنيها، وكأن هؤلاء الشباب لا يستحقون حتى لفتة إنسانية في لحظة الفقد.
إن تقديم واجب العزاء ليس موقفًا سياسيًا، بل هو الحد الأدنى من المسؤولية الأخلاقية والإنسانية، والصمت أمام مآسٍ بهذا الحجم لا يزيد الجراح إلا اتساعًا.قرابة خمسين ألف إنسان شغلت مأساتهم العالم، وتناقلتها الصحف والشاشات، وتداولتها المنظمات والهيئات، بينما ظل وطنهم ينتظر كلمة رسمية تواسي الأسر، أو موقفًا يعترف بحجم الكارثة.
ليس المطلوب خطابات رنانة، ولا تبريرات جاهزة، بل كلمة صادقة، وعزاء يليق بكرامة الضحايا، وإحساس بأن الدولة تشعر بوجع مواطنيها.
فالأوطان لا تُقاس فقط بما تبنيه من طرق وجسور، بل أيضًا بقدرتها على احتضان مواطنيها في لحظات الألم.ويبقى السؤال الذي سيظل معلقًا في ضمير هذا الوطن: إذا كان عزاء المغاربة واحدًا، وكانت الحكومة قد بخلت حتى بالعزاء، فماذا بقي لأسر فقدت أبناءها بين أمواج البحر وصمت المسؤولين؟

