بقلم: رشيد الدعبوز
باحث في العلوم الاقتصادية
في خضم النقاشات العمومية المحتدمة حول غلاء المعيشة واختلالات الاسواق و سلاسل التوريد، يُطرح اسم مجلس المنافسة باعتباره الملاذ الأخير لضبط إيقاع الأسواق المغربية. ومع تعالي الأصوات المطالبة بتدخله لردع الممارسات التي توصف بغير المشروعة أو المنافية لأخلاقيات المنافسة، يجد المجلس نفسه بين سندان الصلاحيات الواسعة التي منحها له الدستور والقوانين المنظمة، ومطرقة التوقعات الشعبية التي تخلط أحيانًا بين حماية المنافسة وبين ضبط الأسعار.
وفي هذا السياق، يبرز تساؤل جوهري: ما هي الأدوار الحقيقية لمجلس المنافسة؟ وهل يتحمل مسؤولية الاختلالات التي تعرفها بعض القطاعات الاقتصادية بالمغرب؟
الاقتصاد الحر وأسطورة التوازن الذاتي:
في حوار معه على القناة الثانية، عقب أزمة عيد الأضحى، عبّر الأمين العام الجديد لحزب “الحمامة”، بشكل ضمني، عن عدم اتفاقه مع الإجراءات التي اتخذتها السلطات لتنظيم سوق المواشي والحد من دور الوسطاء، انطلاقًا من فكرة مفادها أن السوق قادر على تصحيح اختلالاته تلقائيًا والوصول إلى حالة التوازن دون تدخل الدولة.
وتستند هذه الرؤية إلى المبادئ الكلاسيكية لاقتصاد السوق كما صاغها مفكرون أمثال آدم سميث ودافيد ريكاردو. غير أن التجربة الاقتصادية أثبتت أن هذه الآلية ليست كافية في جميع الحالات، خاصة عندما تتعرض المنافسة للتشويه بفعل الاحتكار أو التواطؤ بين الفاعلين الاقتصاديين.
ويُعد قطاع المحروقات بالمغرب من أبرز الأمثلة، حيث كشفت التحقيقات عن ممارسات منافية للمنافسة ترتبت عنها عقوبات وغرامات مهمة. ومن ثم، يصبح تدخل الدولة ضرورة لضمان المنافسة الشريفة وحماية المستهلك، ويشكل مجلس المنافسة أهم آلية دستورية تضطلع بهذا الدور.
ترسانة قانونية أكثر صرامة: ماذا تغير؟
شهد مجلس المنافسة خلال سنة 2024 تحولًا نوعيًا في أدائه، حيث انتقل من التركيز على إصدار الآراء الاستشارية إلى تفعيل صلاحياته الزجرية بشكل أكبر.
فقد فعّل المجلس لأول مرة مقتضيات المادة 36 من القانون رقم 104.12، ونفذ أول عملية تفتيش وحجز فجائي في سوق تطبيقات التوصيل، في رسالة واضحة تؤكد دخوله مرحلة جديدة في مكافحة الممارسات المنافية للمنافسة.
وتمنح القوانين رقم 40.21 و41.21 المجلس صلاحيات واسعة، من أبرزها:
- مكافحة الاتفاقات السرية والتواطؤ بين المقاولات لتحديد الأسعار أو تقاسم الأسواق.
- مراقبة عمليات التركيز الاقتصادي لمنع نشوء وضعيات احتكارية أو مهيمنة.
- فرض غرامات مالية قد تصل إلى 10% من رقم المعاملات السنوي للمقاولات المخالفة.
حدود تدخل مجلس المنافسة رغم اتساع صلاحياته، فإن تدخل مجلس المنافسة يبقى محددًا بإطار قانوني واضح، إذ لا يملك صلاحية التدخل في كل ارتفاع للأسعار.
وتتمثل أهم حدود اختصاصه فيما يلي: - حرية الأسعار، باعتبارها القاعدة العامة في الاقتصاد المغربي، فلا يمكن للمجلس التدخل إلا إذا ثبت أن الارتفاع ناتج عن اتفاق منافٍ للمنافسة أو عن تعسف في استغلال وضع مهيمن.
- صعوبة مراقبة الأسواق غير المهيكلة، حيث يظل نشاط الوسطاء والسماسرة (“الشناقة”) خارج نطاق كبير من آليات التتبع والمراقبة، بسبب غياب الشفافية والمحاسبة.
المغرب والتجارب الدولية: ماذا يمكن أن نتعلم؟
عند مقارنة التجربة المغربية بنظيراتها في الاقتصادات المتقدمة، يتبين أن سلطات المنافسة تعتمد آليات أكثر تطورًا وفعالية.
في الاتحاد الأوروبي، يُعتمد برنامج الرأفة (Leniency Programme)، الذي يمنح إعفاءً من العقوبات لأول شركة تكشف عن وجود اتفاق احتكاري سري، بما يخلق حالة من انعدام الثقة بين أطراف الكارتلات.
أما في فرنسا، فتتمتع سلطة المنافسة بإمكانية فرض تدابير هيكلية قد تصل إلى إلزام شركة مهيمنة ببيع جزء من أصولها أو أنشطتها إذا كان حجمها يعيق المنافسة.
وفي الولايات المتحدة الأمريكية، تركز لجنة التجارة الفيدرالية (FTC) بشكل خاص على مكافحة الاحتكار الرأسي، ومنع الشركات من السيطرة على مختلف حلقات سلسلة الإنتاج والتوزيع.
نحو ثقافة جديدة للمنافسة:
لا تتوقف كفاءة الأسواق على قوة مجلس المنافسة وحده، بل تتطلب تكاملًا بين مختلف الفاعلين.
فالحكومة مطالبة بتحسين تنظيم الأسواق ومحاربة المضاربة، والمقاولات مطالبة بترسيخ ثقافة الامتثال لقواعد المنافسة، كما أن المستهلك مدعو إلى تبني سلوك استهلاكي واعٍ يرفض الممارسات الاحتكارية ويعزز المنافسة الشريفة .
يبقى مجلس المنافسة أحد أهم ركائز الحكامة الاقتصادية بالمغرب، غير أن نجاحه لا يقاس فقط بما يمتلكه من صلاحيات قانونية، بل أيضًا بمدى توفر الإرادة السياسية، وتعاون مختلف الفاعلين الاقتصاديين، وترسيخ ثقافة المنافسة داخل المجتمع.
فحماية المنافسة ليست مسؤولية مؤسسة واحدة، بل هي مسؤولية جماعية تهدف إلى بناء اقتصاد أكثر شفافية وعدالة وكفاءة، ينعكس أثره إيجابًا على القدرة الشرائية للمواطن وعلى جاذبية الاقتصاد الوطني.

