لم تكن الدقائق العصيبة التي عاشتها تلميذة داخل أحد مراكز امتحانات البكالوريا بمدينة آسفي مجرد حادث صحي عابر، بل تحولت إلى لحظة كاشفة أعادت إلى الواجهة نقاشاً عميقاً حول حدود تطبيق المساطر التنظيمية عندما تصبح حياة الإنسان على المحك.
ففي الوقت الذي كانت فيه المترشحة تجتاز أحد اختبارات الامتحان الوطني، باغتتها نوبة ربو حادة Crise d’asthme، لتجد نفسها في مواجهة أزمة تنفسية خطيرة استدعت تدخلاً عاجلاً، وسط تضارب الروايات بشأن كيفية التعامل مع وضعها الصحي ومدى سرعة تمكينها من الوسائل الطبية الضرورية لإنقاذها، قبل نقلها على وجه السرعة إلى المستشفى لتلقي العلاجات اللازمة.
إن ما وقع لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره حادثة معزولة أو ظرفاً طارئاً عابراً، بل باعتباره اختباراً حقيقياً لقدرة المنظومة التربوية على التوفيق بين مقتضيات النزاهة الامتحانية ومتطلبات الحماية الفورية للحق في الحياة والسلامة الجسدية.
فحين يتعلق الأمر بصحة المتعلمين وسلامتهم، تصبح كل الاعتبارات الإدارية والمسطرية في مرتبة تالية، لأن الإنسان يظل القيمة العليا التي من أجلها وُضعت القوانين والأنظمة.
الدستور المغربي كان واضحاً وحاسماً عندما جعل الحق في الحياة أول الحقوق الأساسية لكل إنسان، وهو حق لا يقبل التأجيل ولا التفاوض ولا التأويل الضيق. كما أن المنظومة القانونية الوطنية لا تكتفي بالإقرار بهذا الحق، بل تفرض واجب التدخل والمساعدة لكل شخص يوجد في حالة خطر، بما يجعل أي تأخر في تقديم الإسعاف أو تمكين المصاب من العلاج الضروري مسألة لا تُقاس فقط إدارياً، بل تطرح مسؤولية قانونية وأخلاقية مرتبطة بواجب الحماية والرعاية.
وفي السياق ذاته، فإن النصوص المؤطرة للمنظومة التربوية والمذكرات المنظمة للامتحانات الإشهادية لم تُوضع فقط لضمان تكافؤ الفرص وصيانة مصداقية الامتحانات ومحاربة الغش، بل تفرض بالمقابل على الجهات المشرفة اتخاذ تدابير خاصة وفعالة للتعامل مع الحالات الصحية الطارئة والاستثنائية.
فإذا كانت الوزارة قد سنت إجراءات صارمة لمحاربة الغش، ووفرت أجهزة الكشف والمراقبة لحماية مصداقية شهادة البكالوريا، فإنها بالمقابل ملزمة قانوناً وأخلاقياً بوضع آليات واضحة للتدخل الصحي المستعجل داخل مراكز الامتحان، وتوفير وسائل الإسعاف الأولي وكل ما من شأنه حماية الحق في الحياة والسلامة الجسدية للمترشحين.فلا يمكن أن تكون صرامة المساطر في مواجهة الغش أكبر من الجاهزية المطلوبة لإنقاذ حياة تلميذ أو تلميذة عند حدوث طارئ صحي مفاجئ.
وإن كان من المشروع أن تخضع الحقائب والأدوات للتفتيش عبر أجهزة الكشف، فإن من المشروع أيضاً، بل من الواجب، أن تتوفر مراكز الامتحانات على حقائب إسعافات أولية مجهزة، وبروتوكولات واضحة للتدخل العاجل، وأطر قادرة على التعامل مع الحالات الصحية الحرجة إلى حين وصول المصالح الطبية المختصة.
إن بخاخ الربو ليس أداة يمكن أن تهدد نزاهة الامتحان، بل وسيلة علاجية قد تفصل بين الحياة والخطر. ولذلك فإن التعامل مع المستلزمات الطبية الحيوية يجب أن يخضع لمنطق الضرورة الإنسانية قبل أي اعتبار إداري أو تنظيمي. فالامتحان، مهما بلغت أهميته، يبقى استحقاقاً تربوياً قابلاً للإعادة والتعويض، أما الحياة فلا تعوض، والصحة لا تسترد دائماً بعد فوات الأوان.
لقد كشفت حادثة آسفي عن حاجة ملحة لإعادة التفكير في هندسة تدبير الطوارئ داخل مراكز الامتحانات، ليس فقط من زاوية رد الفعل، بل من زاوية الاستباق والجاهزية.
فالمطلوب ليس فقط الحرص على نزاهة الامتحان، بل أيضاً ضمان أمنه الصحي، بما في ذلك تكوين الأطر المشرفة على الامتحانات في الإسعافات الأولية، وتوفير وسائل تدخل أساسية داخل كل مركز، وتفعيل بروتوكول واضح وسريع للتكفل بالحالات المستعجلة.
إن ما يستثمر في أجهزة الكشف عن الغش، يجب أن يُوازيه استثمار مماثل في أدوات إنقاذ الحياة. فالمؤسسة التي تستعد لاحتمال وقوع محاولة غش، مطالبة بالقدر نفسه أن تستعد لاحتمال وقوع أزمة صحية مفاجئة، لأن حماية الحياة ليست إجراءً ثانوياً، بل واجب قانوني ودستوري وأخلاقي سابق على كل اعتبار.
إن الرهان الحقيقي على جودة المدرسة المغربية لا يقاس فقط بنسب النجاح أو بصرامة الإجراءات التنظيمية، بل يقاس أيضاً بمدى قدرتها على صون كرامة المتعلمين وحماية حياتهم في اللحظات الحرجة. فالمؤسسة التي تحمي أبناءها داخل فضاءات الامتحان هي مؤسسة تترجم فعلياً روح الدستور ومعاني المسؤولية العمومية.
وإذا كانت التقارير الرسمية ستكشف لاحقاً تفاصيل ما جرى، فإن الدرس الأعمق يظل حاضراً منذ الآن: أن الحق في الحياة لا يقبل التنازل، وأن أي مسطرة، مهما كانت صرامتها، تفقد مشروعيتها حين تتحول إلى عائق أمام إنقاذ إنسان يوجد في خطر داهم.
ففي لحظات الطوارئ، لا يُمتحن التلميذ وحده، بل تُختبر أيضاً جاهزية المنظومة التربوية، وقدرتها على أن تضع الإنسان قبل الإجراء، والحياة قبل التنظيم، والنجاة قبل أي اعتبار آخر…