رأي

اطلالة الجمعة:”حين يصبح الظلم سجناً… ويصبح الصبر وعداً إلهياً”

بقلم: عبد الرحمان سوسو

ليست كل الجدران التي تُبنى من إسمنت وحديد تُسمّى سجونا، فكم من إنسان يمشي بين الناس حراً بجسده لكنه مُقيّدٌ بظلمٍ نزل عليه كالصاعقة، وكم من مظلوم ضاقت به الأرض بما رحبت حتى صار الألم رفيقه والصمت لغته والدمع رسائله الخفية.

لكن التاريخ، منذ بدايته، كان يُعلّم البشرية درساً ثابتاً لا يتغير: أن الظلم مهما طال عمره قصير، ومهما علا صوته خافت، ومهما انتفخ جبروته فهو إلى زوال.

وتأتي هذه الأبيات الخالدة المنسوبة لأبي العتاهية لتختصر فلسفة الحياة والعدل الإلهي في كلمات قليلة لكنها تهز القلوب:

أما واللهِ إنَّ الظُّلمَ لُؤمٌ وما زالَ المسيءُ هو الظَّلومُ

إلى ديَّانِ يومِ الدِّينِ نمضي و عندَ اللهِ تجتمعُ الخصومُ

ستعلمُ في الحسابِ إذا التقينا غدا عندَ الإلهِ مَنِ الملومُ

إنها ليست مجرد أبيات شعر، بل صرخة حق، ورسالة أمل، وإنذار لكل متجبر يظن أن سلطته أو ماله أو نفوذه يستطيع أن يطفئ نور الحقيقة.

فالظلم ليس قوة كما يظنه البعض، بل ضعف أخلاقي وانهيار إنساني. الظالم قد يربح جولة في الدنيا، وقد يفرح حين يرى المظلوم منكسر الخاطر، لكنه ينسى أن دعوة المظلوم لا تُهزم، وأن الله سبحانه جعل بينه وبين المظلوم باباً مفتوحاً لا يُغلق.

ولذلك قال رسول الله ﷺ:”اتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب”.

ان أعظم ما يُوجع المظلوم ليس فقط الأذى، بل شعوره بأن الحق تأخر، وأن الإنصاف غاب، وأن بعض الناس صفقوا للباطل خوفاً أو مصلحة. لكن المؤمن الحقيقي يدرك أن العدالة الإلهية لا تسقط بالتقادم، وأن الله يمهل ولا يهمل، وأن كل دمعة مظلوم محفوظة، وكل تنهيدة ألم مسموعة، وكل انكسار سيُجبر يوماً بعد حين.

ولعل أجمل ما في هذه الأبيات أنها تربط الإنسان بيوم الحساب، ذلك اليوم الذي تسقط فيه الأقنعة، وتختفي المناصب، ويتجرد الناس من قوتهم الزائفة، فلا يبقى إلا الحق. يومها لن تنفع المراوغات، ولن تُشترى الذمم، ولن يستطيع ظالم أن يهرب من مواجهة خصومه أمام عدل الله المطلق.وما أحوج عالمنا اليوم إلى استحضار هذه المعاني، في زمن كثرت فيه القسوة، وتبدلت فيه بعض القيم، حتى صار البعض يظن أن الظلم نوع من الذكاء أو وسيلة للنجاح.

لكن الأمم لا تُبنى بالقهر، والمجتمعات لا تستقيم بالاستبداد، والقلوب لا تنسى من كسرها ولو بعد سنين.إن القوة الحقيقية ليست في القدرة على إيذاء الناس، بل في القدرة على إنصافهم. وليست العظمة في أن يخافك الناس، بل في أن يدعوا لك بالخير حين تغيب.

فالإنسان قد ينسى كلمات كثيرة، لكنه لا ينسى أبداً من ظلمه أو من أنصفه.فلنحذر جميعاً من ظلم الآخرين، ولو بكلمة أو إهانة أو استغلال أو خذلان، لأن الأيام دول، والقلوب شهود، والله فوق الجميع.

ولنتذكر دائماً أن الصبر ليس ضعفاً، وأن المظلوم حين يصبر لا يعني أنه استسلم، بل لأنه يثق أن هناك رباً لا تضيع عنده الحقوق.

خاتمة:

سيبقى الظلم جرحاً مؤقتاً، بينما يبقى الحق خالداً لا يموت. وقد يتأخر الفجر، لكن الشمس لا تخون موعدها. لذلك فكل مظلوم عليه أن يتمسك بالأمل، وأن يوقن أن عدالة السماء أعظم من ظلم الأرض، وأن اللقاء الحقيقي ليس هنا فقط، بل هناك… يوم تجتمع الخصوم أمام رب العالمين.

أخبار تساوت

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AKHBARTASSAOUT @2023. All Rights Reserved.