رأي

أضحية العيد بين الشرع والواقع

بقلم الدكتور:سعيد الميش

الحمد لله الكريم، والصلاة والسلام على صاحب الخلق العظيم. فعلى أنوار موسم الحج وبهجة أيام العيد؛ أود أن طرح قضية نسـك العيد تذكيـرا وتصحـيحا وبغية تجاوز أحـداث مؤسفة حدثت وتحدث في هذه المناسبة الشرعية.

والقصد هو الحفاظ على جمالية الإسلام في هذه الشعيرة من أي تـشويه يصـدر من جـهة ما، والمعـول عليه هو يقـظـة المسلم وتفعيل وازعه الديني في أداء هذه العبادة وصونها من أي استهـداف قد يعـطل جوهـرها ويسمـح لأطـراف النيل من تعاليم الإسلام.أولاً: الحكم الشرعي للأضحية.

الأضحية شعيرة عظيمة من شعائر الإسلام، وهي سنة مؤكدة عند جمهور العلماء .ومن أدلتها قول الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾.سىورة الكوثر. وقال سبحانه:﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾.سورة الحج.

وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ضحى بكبشين أملحين أقرنين، وقال:«باسم الله، والله أكبر».رواه البخاري. وهذا يدل على عظم شأن الأضحية وارتباطها بالتقرب إلى الله تعالى.ثانيًا: مقاصد الأضحية في الإسلام، فقد شرعت الأضحية لتحقيق مقاصد عظيمة، منها:

1- تحقيق التقوى والإخلاص لله.قال تعالى:﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ﴾. سورة الحج.

2- إحياء سنة إبراهيم عليه السلام.حين امتثل أمر الله تعالى وفدى الله ابنه بذبح عظيم.قال الله تعالى:”وفديناه بذبح عظيم” سورة الصافات.

3- التوسعة على الأهل والفقراء والمحتاجين.فالعيد مناسبة للرحمة والتكافل والتراحم الاجتماعي.

4- شكر الله تعالى على نعمه.ومنها نعمة الرزق والأنعام والصحة والأمن.

5- إظهار شعائر الإسلام.قال تعالى:﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾. سورة الحج.ثالثًا: بعض المظاهر الفاسدة والمنكرات المرتبطة بالعيد.للأسف، ظهرت في بعض المجتمعات ممارسات تخالف هدي الإسلام ومقاصد الأضحية، ومن ذلك:

1- التفاخر والمباهاة بالأضاحي.فيتحول العيد عند بعض الناس إلى استعراض للأموال والأحجام والأسعار، بدل الإخلاص والتواضع والشكر والاعتبار.

2- تصوير الأضحية ونشرها طلبًا للإعجاب والرياء.فينشغل البعض بالتصوير والتباهي في مواقع التواصل أكثر من استحضار نية العبادة والتقرب إلى الله.

3- الإسراف والتبذير.سواء في شراء ما يفوق القدرة، أو في الولائم المبالغ فيها، أو رمي الطعام وإفساده.

4- الاستدانة والتكلف المرهق.حتى يدخل بعض الناس في الديون الربوية والمشكلات الأسرية من أجل مجاراة المجتمع والمظاهر.

5- الاحتكار ورفع الأسعار واستغلال حاجة الناس وأكل مال الناس بالباطل جشعا وزورا وظلما مما يتنافى مع الرحمةوالعدل في الإسلام.

6- إيذاء الناس والفوضى والعنف.سواء في الأسواق أو أثناء الذبح وبعده بالتفاخر والسخرية من الفقراء وغير المضحين.

7- بعض الطقوس والبدع المتعلقة بجلود الأضاحي.كاعتقاد جلب البركة أو دفع العين أو الشفاء بمجرد تعليق الجلد أو أجزاء منه، أو استعماله في طقوس خرافية لا أصل لها في الشرع مثل التمسح بالجلد جلبا للزواج.

8- ممارسات شركية أو خرافية.مثل التبرك بدم الأضحية على الجدران أو الأبواب أو السيارات، أو الاعتقاد بأن ذلك يدفع الشرور ويحفظ البيوت، فهذه أمور لا دليل عليها، وبعضها قد يصل إلى الشرك إذا اعتقد صاحبها التأثير الغيبي.

9- ترويع الأطفال وتعذيب الحيوانات أمامهم بلا رحمةفالإسلام دين رحمة وإحسان حتى في الذبح، قال النبي صلى الله عليه وسلم:«إن الله كتب الإحسان على كل شيء».رواه مسلم.

رابعاً: مسؤولية التصحيح للوضعية المشكلة.مسؤولية التوعية يتقاسمها المجتمع المسلم مؤسسات وأسرا وأفرادا لمعالجة هذه الاختلالات، وياتي في المقدمة الخطاب الديني لتسديد الفهم الصحيح لشعيرة الأضحية على هدي الرسول صلى الله عليه وسلم تشريعا وأداء ، والتأكيد أن المقصود منها ليس التفاخر والضغط الاجتماعي، وإنما التقرب إلى الله تعالى والتوسعة على الأهل والفقراء،والانخراط في محاربة الجشع والاحتكار والاستغلال، وترسيخ قيم الرحمة والتكافل والاعتدال.

ثم حسن تدبير قطاع الماشية من الجهات المعنية، من مراقبة مسالك التوزيع، ومحاربة المضاربات والاحتكار، ودعم الفلاحين الصغار، وضمان توازن السوق حتى لا يتحول العيد إلى مناسبة تثقل كاهل الأسر ، والمراقبة الصارمة، وفرض الجزاء العقابي المناسب على المخالفين حماية للمال العام والخاص وصون الأمن الروحي والسلم الاجتماعي ، وفي هذا الصدد أحب أن يستفاد من التجربة السعودية في تدبير توفير وتنظيم الهدي/الأضحية للحجاج وغيرهم بالاستيراد وتخصيص مجازر ومزارع لهذا الشأن قطعا على كل من سولت له نفسه العبث بهوية المسلمين.

كما أن المجتمع كله مدعو إلى مراجعة بعض العادات السلبية المرتبطة بالأضحية، من قبيل استعمال الغش والكذب ومواد كيميائية مضرة وطقوس فاسدة ومظاهر مفسدة لهذه العبادة التي ارتبطت بالجنة والحياة وبين أنبياء محمد وإبراهيم وإسماعيل…عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم.

خاتمة:

إن عيد الأضحى عبادة متفردة عظيمة في الإسلام وموسم إيماني وتربوي، وليس مناسبة للعادات الفاسدة أو المظاهر الجاهلية.

وعلى المسلمين تعظيم هذه الشعيرة وفق هدي القرآن والسنة، وربطها بالتقوى والرحمة والتكافل،والابتعاد عن كل مايخالف مقاصد الإسلام السمحة. والتصحيح مطلب مشترك بين الأسرة والعلماء والإعلام والمؤسسات الرسمية والأفراد، حتى تبقى الأضحية رمزًا للطاعة والرحمة والتكافل، كما أرادها الله تعالى.

هذا وأسأل الله تعالى أن يتقبل من المسلمين نسكهم، وأن يرزقهم الفقه في الدين، والإخلاص في القول والعمل.

أخبار تساوت

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AKHBARTASSAOUT @2023. All Rights Reserved.