✍️ عصام رشيد
يشكل شارع إمليل والمجال التجاري المحيط به أحد أهم الفضاءات الاقتصادية والاجتماعية بالمدينة، بالنظر إلى الحركية التجارية اليومية التي يعرفها، والدور الذي يضطلع به في توفير مورد رزق لفئات واسعة من المواطنين، خصوصا الشباب العاطل عن العمل وأصحاب الهشاشة الاجتماعية.
غير أن هذا الفضاء أصبح في السنوات الأخيرة مسرحا لمظاهر متعددة من الفوضى والعشوائية، نتيجة الاستغلال غير القانوني للملك العمومي من طرف بعض الباعة الجائلين وأصحاب المحلات التجارية، وما يترتب عن ذلك من ازدحام وعرقلة لحركة السير والجولان وتشويه للمشهد الحضري.
ورغم مشروعية تدخل السلطات العمومية من أجل فرض النظام واحترام القانون، فإن الإشكال يطرح عندما تتحول هذه التدخلات إلى حملات ظرفية وموسمية، خاصة خلال المناسبات والأعياد، دون اعتماد رؤية شمولية تراعي الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بظاهرة الفراشة.
كما يزداد الجدل حدة حين يتم الحديث عن “الأسواق النموذجية” في ظل غياب الوضوح بخصوص المستفيدين منها، والمعايير المعتمدة في توزيعها، ومدى ملاءمتها لواقع الباعة الجائلين.
ومن ثم، يثور التساؤل حول مدى نجاعة المقاربة الحالية في تدبير شارع إمليل، وحول البدائل الممكنة لتحقيق التوازن بين ضرورة التنظيم واحترام الحق في العيش الكريم.
أولا: مظاهر العشوائية بشارع إمليل وانعكاساتها
لا يمكن إنكار أن شارع إمليل يعرف حالة من الفوضى التنظيمية الناتجة عن التوسع العشوائي للفراشة واستغلال الأرصفة والطرقات بشكل يعيق حركة المواطنين والسيارات على حد سواء.
كما ساهم بعض أصحاب المحلات التجارية بدورهم في احتلال الملك العمومي عبر عرض السلع خارج المحلات، مما جعل المجال العمومي يفقد وظيفته الأصلية.
وقد أفرز هذا الوضع عدة انعكاسات سلبية، من أبرزها:
الاكتظاظ المروري وصعوبة التنقل؛
تشويه المشهد الحضري؛
تراجع شروط السلامة والتنظيم؛
ارتفاع منسوب الاحتقان بين الباعة والسلطات؛
تأثير سلبي على راحة الساكنة ومستعملي الطريق.
غير أن معالجة هذه الاختلالات لا ينبغي أن تتم بمنطق أمني صرف أو عبر حملات موسمية ظرفية، لأن الظاهرة ترتبط أساسا بأوضاع اجتماعية واقتصادية معقدة، في مقدمتها البطالة وضعف فرص الإدماج المهني.
ثانيا: الفراشة بين الهشاشة الاجتماعية وضعف البدائل الاقتصادية
أصبح نشاط الفراشة بالنسبة لفئات واسعة وسيلة اضطرارية لضمان الحد الأدنى من العيش الكريم، خصوصا في ظل ارتفاع معدلات البطالة وتراجع فرص الشغل، حتى في صفوف الشباب الحاصلين على شهادات جامعية.
ومن ثم، فإن أي تدخل يهدف إلى إزالة الباعة الجائلين دون توفير بدائل حقيقية وواقعية، قد يؤدي إلى تفاقم الأوضاع الاجتماعية بدل حلها.
وفي هذا السياق، يثار النقاش حول الأسواق النموذجية التي يتم تقديمها كحل بديل، غير أن عدة تساؤلات تظل مطروحة بشأنها، من قبيل:
ما هي المعايير المعتمدة للاستفادة؟
من هم المستفيدون الحقيقيون؟
هل تم إحصاء جميع الفراشة بشكل شفاف؟
هل هذه الأسواق تتوفر على شروط الجاذبية التجارية التي تضمن استمرارية النشاط؟
لماذا امتنع بعض المستفيدين عن الالتحاق بها؟
إن غياب الوضوح والتواصل المؤسساتي يعمق فقدان الثقة، ويجعل الكثيرين يعتبرون أن المقاربة الحالية تفتقر إلى العدالة والنجاعة.
ثالثا: ضرورة اعتماد مقاربة تشاركية وشمولية
إن معالجة وضعية شارع إمليل تقتضي الانتقال من منطق التدخلات المؤقتة إلى منطق التخطيط الاستراتيجي القائم على المقاربة التشاركية، عبر إشراك جميع الفاعلين المعنيين، من سلطات محلية ومنتخبين وفعاليات المجتمع المدني وممثلي الباعة الجائلين والساكنة.
وتأسيسا على ذلك، يمكن اقتراح مجموعة من التدابير العملية، من بينها:
1. إجراء إحصاء شامل ودقيق للفراشة
وذلك من خلال تصنيفهم وفق معايير اجتماعية واقتصادية واضحة، من قبيل:
الحالة العائلية؛
مستوى الدخل؛
المستوى الدراسي؛
مدى توفر نشاط مهني آخر؛
عدد أفراد الأسرة المعالين؛
الوضعية الاجتماعية والصحية؛
الاستفادة السابقة من الأسواق النموذجية وأسباب عدم الالتحاق بها.
ويسمح هذا الإحصاء بوضع قاعدة بيانات دقيقة تساعد على بلورة حلول عادلة ومنصفة.
2. اعتماد تنظيم مرحلي للشارع
بدل المنع الكلي، يمكن اعتماد تنظيم مرن يوازن بين حق الباعة في العمل وحق المواطنين في استعمال الملك العمومي، وذلك عبر:
تخصيص فضاءات محددة للفراشة؛
منع العربات المجرورة من المرور داخل الشارع؛
تحديد أوقات خاصة بمنع مرور السيارات، خصوصا خلال الفترات المسائية؛
تعزيز الحضور الأمني والتنظيمي؛
فرض احترام شروط النظافة والسلامة.
3. بلورة مشروع تنموي بعيد المدى
فشارع إمليل والمارشي يشكلان القلب النابض للاقتصاد المحلي، وبالتالي فإن أي معالجة حقيقية تستوجب رؤية تنموية شاملة تراعي خصوصية المدينة وحاجيات شبابها، عبر خلق فرص شغل حقيقية وتشجيع المبادرات الاقتصادية الصغرى وإعادة تأهيل المجال الحضري بشكل يضمن التوازن بين البعد الاقتصادي والجمالي والاجتماعي.
إن ظاهرة الفراشة بشارع إمليل ليست مجرد إشكال تنظيمي مرتبط باحتلال الملك العمومي، بل هي انعكاس مباشر لأوضاع اجتماعية واقتصادية معقدة، تفرض على السلطات العمومية اعتماد مقاربة متوازنة تجمع بين هيبة القانون ومتطلبات العدالة الاجتماعية.
فالتنظيم يظل ضرورة لا يمكن إنكارها، غير أن نجاحه يبقى رهينا بمدى توفير بدائل واقعية تحفظ كرامة المواطنين وتضمن حقهم في العمل.
كما أن الحلول الظرفية والموسمية لا يمكن أن تنتج استقرارا دائما، بل قد تؤدي إلى إعادة إنتاج الفوضى نفسها مع كل مرحلة انتخابية أو ظرفية اجتماعية.
ومن ثم، فإن الرهان الحقيقي يكمن في بناء تصور تشاركي وشامل، يجعل من شارع إمليل فضاء منظما ومنتجا في الآن ذاته، ويحافظ على دوره الاقتصادي والاجتماعي داخل المدينة، بعيدا عن المقاربات الارتجالية أو الحسابات الظرفية الضيقة.
