Sign Up to Our Newsletter

Be the first to know the latest updates

[mc4wp_form id=195]
مجتمع

لماذا نُكرِّم بعد الموت أكثر مما نُنصِف في الحياة؟

بقلم عبد العزيز خرخاش: باحث تربوي

يبقى السؤال موجعًا، لا لأنه جديد، بل لأنه يتكرر دون أن نجد له جوابًا شافيًا:لماذا لا نلتفت إلى الكفاءات الصادقة إلا عندما تتحول إلى ذكريات؟ ولماذا يصبح التكريم أسهل بعد الغياب منه في زمن الحضور؟

الحقيقة المؤلمة أن الاعتراف في الحياة فعل شجاعة، بينما التكريم بعد الموت فعل مريح.الإنصاف الحقيقي يُربك التوازنات، ويهدد المصالح، ويطرح أسئلة محرجة حول الاستحقاق والكفاءة والعدل.

أما الميت، فلا يطالب، ولا ينافس، ولا يكشف عيوبا. يتحول إلى صورة مثالية يمكن للجميع الادعاء بالانتماء إليها دون كلفة.الكفاءة الحيّة مرآة قاسية. وجودها يفضح الرداءة، ويكشف الزيف، ويُشعر البعض بأن مواقعهم ليست مستحقة.

لذلك تُهمَّش الكفاءات الصادقة، أو تُحاصَر بالصمت، أو تُستنزف حتى التعب. وعندما ترحل، تُرفع صورها، وتُلقى الخطب، ويُكتب عنها ما لم يُكتب لها في حياتها.

في مجتمعاتنا، نميل إلى تمجيد الذاكرة بدل رعاية الحاضر، وإلى ثقافة الرثاء بدل ثقافة الإنصاف. نحسن كتابة المراثي، لكننا نفشل في بناء مسارات عادلة للاعتراف. نحفظ أسماء الراحلين، وننسى أن نمنح الأحياء فرصة العطاء بكرامة.

المأساة الحقيقية ليست في كثرة التكريمات بعد الموت، بل في ندرة الإنصاف قبلَه.كم من طاقة خُنقت؟كم من مشروع وُئد؟وكم من إنسان عاش غريبًا في وطنه، لأنه كان صادقًا أكثر مما ينبغي؟

إن تكريم الأموات لا يعوّض ظلم الأحياء، ولا يُبرّئ الضمائر. العدالة المؤجلة ليست عدالة، والاعتراف المتأخر ليس فضيلة.فالإنصاف حين يأتي بعد الرحيل، يتحول إلى اعتذار بلا فائدة.

ربما آن الأوان أن نغيّر السؤال من: كيف نُخلِّد الراحلين؟إلى: كيف نُنصف الأحياء قبل أن يصبحوا أسماء على جدران الذاكرة؟

فالحياة لا تحتاج إلى المراثي…بل إلى شجاعة الاعتراف

أخبار تساوت

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AKHBARTASSAOUT @2023. All Rights Reserved.