بقلم:جمال بدومة
في المقال التالي مقتطفات من ماقاله الكاتب والصحافي جمال بدومة عن المتملقين أو بعبارة أدق فئة ماوصفهم بممتهني “لحيس الكابة”:
كان الشعراء القدامى يمدحون السلاطين ليحصلوا على النقود، يتهافتون على التقرب منهم بالكذب والبهتان ولحس الأحذية، ويصوغون احتيالاتهم في أبيات طويلة لا تخلو غالبا من سحر، مما جعل الناس يردّدون أن “أعذب الشعر أكذبه”.
في تلك القرون العمودية، كان المتملقون يبذلون جهدا خطيرا في تزييف الحقائق واختلاق الأكاذيب وتدليك العواطف، ليستحقوا مكافآتهم. وقد نظّر المتنبي لعلاقة “البيع والشراء” التي تربط الشاعر بممدوحه في إحدى أشهر قصائده:
“جودُ الرجال من الأيدي وجودُهُمُ… من اللسان فلا كانوا ولا الجودُ”.يعني “أعطني وأمدحك”، أو بالعربية الفصحى: “هاك وارا ما فيها حزارة”…
أبو الطيب المتنبي قال كلاما جميلا في حق كافور الإخشيدي، حاكم مصر ذو البشرة السوداء في القرن العاشر الميلادي، ورجانا أن نصدّقه:
“وإن مديح الناس حق وباطل… ومدحك حق ليس فيه كِذابُ”
لكن عندما لم يمكّنه “أبو المسك” – كما سمّى كافور في أشعاره الأولى – ممّا أراد، شتمه كأي نذل بأبيات تقطر حقدا وحقارة:“لا تشترِ العبد إلا والعصا معه… إن العبيد لَأنجاسٌ مناكيدُ”“لا يقبض الموت نفسا من نفوسِهمُ… إلا وفي يدها من نتْنِها عودُ”! ولو عاش المتنبي اليوم، لاستحقّ أن يجرجر أمام المحاكم بتهمة العنصرية.
قبل كافور الإخشيدي، مدح الشاعر الذي “ملأ الدنيا وشغل الناس”، سيف الدولة الحمداني وكثيرا من الحكام والميسورين، طمعا في المال والسلطة، وعندما لم يحصل على ما أراد، هجاهم جميعا، وظل يفضحهم ويشتم أمهاتهم إلى أن “قتلوا أمّه” في إحدى المرّات!أيام كان الشعر لسان العرب، كان السلاطين يتسلون بالشعراء وأكاذيبهم، وإذا أعجبتهم القصيدة يقولون للخدم: “أعطوه ألف دينار”.
هل اختفى المدّاحون والمتملقون حقا؟ أبدا، لقد تغيرت أساليبهم فقط. أليس ما كان يدبجه بعض الشعراء هو بالضبط ما يردده الصحافيون المأجورون والمحللون “المقتدرون”، ومن يدور في فلكهم من الطبالة والغياطة والعياشة…
ابن هانئ – لمن لا يعرفه – شاعر آخر كذّاب، قال ذات يوم للمعز لدين الله الفاطمي:“ما شئت لا ما شاءت الأقدار… فاحكم فأنت الواحد القهارُ!”“وكأنما أنت النبي محمد… وكأنما أنصارك الأنصارُ”ابن هانئ الأندلسي كان موهوبا على الأقل، المشكلة مع ابن “هاني… وعندك تنساني!”

