اشتد أُوار النار وبدأت ألسنة اللهب تتصاعد كشبح يرقص، ومازال بعض الرجال يلقمون اللهيب مزيداً من الأخشاب الجافة، واللهيب يرسم على الوجوه هالة حمراء ويضفي على أقنعة الكهنة المتحلقين حول النار مزيداً من الرهبة، قارعوا الطبول يزيدون من سرعة الإيقاع كلما ازداد لهيب النار علواً، وسارة جالسة كاسفة تتأمل النار بخوف وأسى، وتبعد بين الفينة والأخرى آياد أخواتها المواسيات لها وكأنها تقول لهن دعوني أنا ذاهبة وحدي، تتذكر يوم لقائها الأول بزوجها، كم كانت سعيدة حينها، ترتسم على شفاهها ابتسامة شاحبة، كم أحبته وكم أحبها في البداية، جمعهما توحد فريد ومزجت روحيهما جذوة عشق لم تكن تظن أنها ستنطفئ يوماً، ولكن هذه الجذوة انطفأت بعد الأيام الأولى للزواج، عندما عاد العاشق لحقيقته التي طالما كان يعيشها، كان رجلاً لا يقعقع له بالشنان، وكان يهوى حديث المرد، ويدير شؤون الشياطين، ويحكى عنه أن ناس قريته اتخدوا يوم ولادته موسماً لتقديس الغرام واحترام العشق، ومن غرائبه بعد موته أنه لم يُشيِّع جنازته إلا النساء والمرد،
وقد حاول بعضهم أن يجد لهذا الحدث بعض المسوغات، فذكر أن ذلك يرجع إلى شدة تعلق النساء والمرد به في حياته…قطبت سارة حاجبيها بحنق شديد ووضعت كفها على صفحة وجهها، لقد تذكرت الصفعات التي كان زوجها يتسلى بعدها، أغمضت عينيها بأسى شديد وتنهدت بعمق، النار يزداد علو ألسنة اللهب فيه ويرسم على وجه سارة تموجات حنق وغضب.
تذكرت كم أكرهها زوجها على خدمة عائلته الكبيرة وعلى العمل في الحقل في كل الأوقات وحتى عندما كان المرض يأخذ منها كل مأخذ لم يكن يسمح لها حتى بالشكوى أو التأوه، شعرت سارة بألم مزعج في بطنها، وبدت على وجهها علائم الألم الشديد، شدت يدها على بطنها، تذكرت كم ضربها زوجها بالسوط لأنها لم تحمل، هي لم تنجب ولعلها سعيدة بذلك الآن، ولكن لم يكن ذنبها أنها لم تتمكن من الإنجاب، هكذا قدر الله لها…
استعرت النار وعلا اللهيب وأُجبر الكهنة على الوقوف والإبتعاد، فبدأوا بالدوران حول النار وتمتمة ترانيم دينية خاصة، تسارع قرع الطبول وبدا الشحوب والهلع على وجوه جميع الحاضرين وتسارعت نبضات القلوب بينما وقفت سارة بهدوء وثبات مستسلمة لمصيرها، هذه هي معتقدات أهل ديانتها، يجب أن تُلقى في النار بعد وفاة زوجها، وهاهي اللحظة قد دنت، ارتعش الأهالي من الخوف والهلع وبدأ قارع الطبل يخفف من سرعة القرع من كثرة ما ارتعشت يداه من الفزع، النار تزيد من إطلاق لظى اللهيب الحارق وتزيد من هلع المتحلقين.
فجأة خطرت لسارة فكرة، قالت في نفسها، أنا أخلصت لهذا الرجل طوال حياتي وهو بادرني بالخيانة والظلم والقهر، لم يعاملني يوماً كزوجة بل كجارية، يوم موته لم أذرف دمعة واحدة بل على العكس كنت سعيدة لأنه أول يوم سأنام دون أن أتلقى ضرباً مبرحاً، لِمَ أستجيب لهذا الدين الذي يجبرني على إحراق نفسي بعد موت هذا الطاغية؟ لِمَ أتبع هذا المعتقد الذي أحياني قهراً ويريد أن يميتني ظلماً؟ أيُعقل أن يكون هذا المعتقد صحيحاً؟
أيُعقل أن يكون هذا الدين صحيحاً؟ أنا الآن لا أدري فأنا لم أغادر هذه القرية يوماً، ولكن أليس من الممكن أن تكون خارج حدود هذه القرية البائسة معتقدات أخرى أكثر عدلاً أليس من الممكن أن يكون خارج حدود هذه القرية دين أكثر رأفة ورحمة بالمرأة؟
لِمَ لا ! إذن لِمَ لا أبحث عن هذا المعتقد وهذا الدين قبل أن أقتل نفسي حرقاً لأجل رجل لم يحبني يوماً ! تلفتت سارة يمنة ويسرة ثم طوت أطراف ثوبها وركضت هاربة بسرعة الرياح، قارع الطبل توقف فجأة، الكهنة تسمروا في أمكنتهم، الجميع وقف مشدوها ينظر خلف سارة التي بدأت تسابق الرياح بحثاً عن الحرية، بحثاً عن دين جديد، بحثاً عن أمل جديد.
🖋️إدريس زياد

