رأي

الفضاء العام بمدينة قلعة السراغنة ليس ملكاً لأحد… فأين ذهب الحياء؟

بقلم:مصطفى حرمة الله

من المؤسف أن نلاحظ في مجتمعنا تراجعاً واضحاً في احترام الفضاء العام المشترك، وكأن الشارع والرصيف والمقهى والحي ملكٌ خاص لكل من يريد أن يفعل فيه ما يشاء، دون اعتبار لراحة الآخرين أو لحقهم في العيش في بيئة محترمة وآمنة.ففي بعض المقاهي أصبح التدخين بمختلف أنواعه يُمارس علانية، دون اكتراث بحق الآخرين في استنشاق هواء نظيف، وفي الأحياء نسمع الكلام الفاحش والنابي أمام الأطفال والنساء وكبار السن، وكأن الحياء أصبح شيئاً من الماضي.

ولا يتوقف الأمر عند ذلك؛ فبعض الشباب والأطفال يمارسون لعب الكرة وسط الأحياء، وأحياناً إلى ساعات متأخرة من الليل، بما يسببه ذلك من ضجيج وإزعاج للسكان. وهناك من يشغل الموسيقى بصوت مرتفع من هاتفه أو سيارته، وكأن الجيران مجبرون على الاستماع إلى ما يختاره هو.ثم نرى مشاهد أخرى لا تقل إزعاجاً:

رمي الأزبال والنفايات في الأماكن العامة، احتلال الأرصفة وكأنها ملكية خاصة، واستغلال رصيف المارة لعرض السلع والبضائع، حتى أصبح المواطن في بعض الأماكن مضطراً إلى السير وسط الطريق لأنه لم يعد يجد مكاناً يمشي فيه على الرصيف.

والأخطر من ذلك أن بعض التصرفات التي كانت تُمارس في الخفاء أصبحت اليوم تُمارس أمام الملأ، دون خوف من نظرة المجتمع أو شعور بالحرج. فأين ذهب الحياء؟ وأين اختفى الشعور بأن للآخرين حقوقاً يجب احترامها؟من المسؤول؟المسؤولية هنا مشتركة.

فالأسرة تتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية، لأن التربية تبدأ من البيت. عندما يرى الطفل والده يحترم الجار، ولا يرمي الأزبال، ولا يزعج الآخرين، ويحافظ على الممتلكات العامة، فإنه يتعلم بالقدوة قبل الكلام.لكن المؤسف أن بعض الآباء استسلموا، وأصبحوا يتعاملون مع أخطاء أبنائهم بمنطق: “دعهم يفعلون ما يشاؤون، إنهم ما زالوا أطفالاً أو شباباً.”

والحقيقة أن التساهل المستمر مع السلوك الخاطئ لا يصنع جيلاً حراً، بل قد يصنع جيلاً لا يعرف حدود الحرية ولا معنى المسؤولية.كما أن للمدرسة والمسجد والجمعيات والمجتمع المدني والإعلام والسلطات المحلية دوراً مهماً في إعادة الاعتبار لثقافة احترام الفضاء العام، مع ضرورة تطبيق القانون بعدل على الجميع، لأن التوعية وحدها لا تكفي إذا غاب الردع، والردع وحده لا يكفي إذا غابت التربية.إلى متى؟إلى متى سنعتبر احتلال الرصيف أمراً عادياً؟إلى متى سنعتبر إزعاج الجيران حرية شخصية؟إلى متى سنسمح بالكلام الفاحش أمام الأطفال؟إلى متى سنرمي الأزبال ثم نلوم الجماعة على تدهور أحيائنا؟وإلى متى سيستمر البعض في التعامل مع الملك العمومي وكأنه ملك خاص؟

الفضاء العام ملك للجميع، ولذلك فهو مسؤولية الجميع.احترام الشارع والرصيف والحديقة والمقهى والحي ليس ترفاً، بل هو دليل على مستوى وعي المجتمع وتحضره. والحرية الحقيقية ليست أن تفعل ما تريد، وإنما أن تمارس حريتك دون أن تتحول إلى مصدر أذى وإزعاج للآخرين.لقد آن الأوان أن نعيد للحياء مكانته، وللتربية دورها، وللقانون هيبته، وللجار حقه في الراحة، وللمواطن حقه في فضاء عام نظيف ومحترم.

فالمصيبة ليست فقط في وجود هذه الظواهر، وإنما في أن نعتاد عليها حتى تصبح في نظرنا أمراً عادياً.فهل استسلمنا فعلاً؟ أم ما زال بإمكاننا أن نربي أبناءنا على قاعدة بسيطة:

“عامل الناس كما تحب أن يعاملوك، واحترم الفضاء الذي يشترك فيه الجميع.”

أخبار تساوت

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AKHBARTASSAOUT @2023. All Rights Reserved.