رأي

في موسم الحصاد الإنتخابي حينما يتم استغلال الحمار لجني الثمار

إذا لم يدرك المنتخبون أنهم مسؤولون أمام الله وأمام من وضعوا ثقتهم فيهم، كمسؤولية أشدّ، وإذا لم يفهموا أنهم مسؤولون عن إيجاد كل الوسائل اللازمة لتطبيق مهماتهم بالكامل وبكل كفاءة وفاعلية، وإذا لم يعرفوا أن الصلاح والفساد، والشفافية والضبابية، والعجز والحضور، مرتبط بأدائهم أقوى من ارتباطهم بأي جهاز، وإذا لم يقدّروا أنفسهم حقّ التقدير بأنهم نظام التوازن، والمظلة الجامعة لمراكز القوى، والإطار الوحيد للنظام، والمربع الباقي لتمثيل الجميع بلا إقصاء، وإذا لم يسنّوا من القوانين والضوابط ما يمنع هذا السيل الجارف الذي شرد الفقراء والمساكين، وإذا لم يمارسوا أدواراً أكثر من مجرد الحضور، وتكثير سواد التحالفات، والإستماع إلى ما يتلى عليهم، ويُبَرمَج لهم في جداول الأعمال الجاهزة، ورفع الأصابع ضد رغبات من أوكلوهم لينوبوا عنهم ويقوموا مقامهم، إذا لم يكن ذلك فاعلموا أنكم جهاز معطل الوظائف، وأداة من أدوات الجهاز المهيمن عليكم، وأنكم غافلون عملياً عن أداء واجبكم، ومقصرون في أداء الأمانة الثقيلة، وأن مصالحكم مقدمة على مصالح مَن قدّمكم، وأن واجبكم الآن يبدأ بالشروع في مبادرة سريعة، واستدراك ما قصرتم فيه، والوعي بما أصابكم، أو تسلموا الأمانة إلى من يليكم، والتوبة النصوح على كل حال.

طبعاً من حق كل إنسان أن يقول رأيه بصراحة، ولكن التحليلات غالباً لا تدرك خصوصية القضايا السياسية وطبيعة تفاعلاتها، ودوماً تحدث مفاجآت تنسف كل السيناريوهات المتداولة وما نعيشه خير دليل على ذلك، فيضان التحليلات متوقع، ولكن يجب التريث قليلاً، فإسهال التحليلات مستمر حسب الألوان وحسب التموقعات وحسب المزاج وحسب المصلحة وحسب الدفع وحسب الأداء، فقبل الإنتخابات إسهال للتحليلات وبعد الإنتخابات دفعة إسهالات تحليلية أخرى تستمر إلى حين الإنتخابات الموالية دفاعاً عن الفشل الدريع والسقوط المدوي الذي يظهر جلياً للعميان من طرف الأحزاب والقوى المتناحرة، وضد الأحداث المجتمعية وتطوراتها الدراماتيكية الصاخبة وضد المطالب المشروعة لأبناء الشعب.

يبدو أن أغلب التحليلات التي يتشدق بها بعض الحمقى تكون أقرب لتحليلات العجائز أو لعلها مجرد أضغاث أحلام وأوهام لا أساس ولا رصيد لها، فالسلطات عادة لا تحتاج إلى من يدافع عنها خصوصاً اللصوص وفاقدي الأهلية والمشبوهين لأنها ومنذ الأزل غالباً ما تنزل بكل ثقلها وتفشل كل مخطط ليس في صالحها، لِذا يُفترض فيمن يلج بحر السياسة أن تكون له قرون استشعار يمدّها في جوف المستقبل، وأن يمتلك قاعدة بيانات دقيقة وصادقة عن رقعة الجغرافيا السياسية الأوسع من حوله، وفهم مآرب المشاريع السياسية، وأن يكون هدفه النبيل هو حماية مشروع فكرته وإبقائها بيضاء نقية، والحؤول دون تدنيسها برذاذ النجاسة السياسية، واتخاذ القرار هو خبرة وعلم وإقدام، أما بعوض المستنقعات فلن يكف عن الطنين وضفدع الترعات لن يوقف النقيق.

المشكلة تكمن أننا أمام مجموعة أحزاب ضعيفة جردت نفسها من جميع نقاط القوة، خصوصاً تلك التي ذبلت أوراقها وتساقطت بسبب التقلب يميناً ويساراً لأسباب مصلحجية، وانكشفت عوراتها سريعاً وخضعت للضغوطات بالمقابل وأصبحت لا تستطيع قول كلمة الحق، وهي تعزف بغزارة على وتر التملق طمعاً في المناصب والمغانم، فالإنتخابات بطريقة السعاية والرشوة تهدم ولا تبني ولن تقف لها ركائز مهما طال الزمن، فإذا نجح المفسد سيبقى على فساده، وإذا نجح من عنده نية الإصلاح سيجد المفسدين له بالمرصاد على كل الجبهات، لكن كرأي شخصي لا أرى مبرراً للحديث في هذه الظروف عن الإصلاح في ظل وجود لصوص المال العام والفارّين من العدالة والمتحايلين على القانون.ترى أقواماً يَنْدَسُّون بين ثياب الفضيلة وجلابيب الوطنية، ثم يقومون بتمزيقها، فلا هم من أهلها ولا مِمّن يَسيرون، فبعض مُدّعي الإصلاح ممّن ورثوا هذه المهمة حتى أصبحت عندهم وظيفة من وظائف الإكتساب، لبسوا ثوبها كما يلبس أحدهم لباس المناسبات، تراه يتلون في كل مناسبة كما تتلون الحرباء بطبيعتها، لكن الحرباء تتلون للتخفي وهو يتلون للظهور، يتظاهر بعمل المصلحين، تارة تجده مع الكلاب التي تطارد الصيد وأخرى تجده مع الصيد الذي تطارده الكلاب، فلا يبرح يبحث عن الفساد حتى يجده أو يوجِده، وهو لا يتخذ من الناس إلا كما يتخذ الأطباء في تجاربهم من العقاقير، فيسحق طائفة، ويمزج طائفة، ويذيب طائفة، ثم يبحث عن نتيجة جهده، فلا يشمّ إلا عرق الخيبة، هؤلاء هم سدنة الشيطان وقوم دمام، فبعضهم أصبح كالقواعد من النساء، غاب الجمال وغابت معه الأحلام، هن لا يرجون نكاحاً، وهم لا يرجون براحاً، لكنهم يحركون الأخباث والأحداث، ويديرون الفُلكَ والأبراج وهم قُعود.

أعتقد أنه لا يوجد في بحر اللغة العربية كلمة مناسبة تصف الحالة السياسية السيئة التي وصلنا إليها، “جمود سياسي” لا أظن ذلك، فالجامد مصيره الذوبان، “جنون سياسي” لا أعتقد، فالمجنون لربما يتعافى إن تداوى وهو في النهاية غير مسؤول عن تصرفاته أصلاً، “انسداد سياسي” لا أعتقد ذلك، فالذي يجد طريقاً مسدوداً لربما يبحث عن طريق آخر أو يحدث خرقاً في الجدار، “عصيان سياسي” لا أعلم، فالعصيان قد ينتهي بكسر أو تراجع أحد الأطراف، لربما نحن إذاً في مرحلة “الإحتضار السياسي” الذي يسبق الوفاة الرسمية، نعم قد تكون هذه هي الكلمة المناسبة، بعيداً عن استخدام مواد التجميل، باختصار نحن ذاهبون نحو المجهول، فالمهزلة التي نعيشها مقصودة وملبسة بسياسة ممنهجة هدفها استنزاف خيرات البلاد وإشاعة الجهل وتفقير الشعب والإجهاز على مقدراته، لهذا فما أصبحنا نعيشه اليوم من ترد هو آخر سكرات الموت السياسي.

✍️ إدريس زياد

أخبار تساوت

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AKHBARTASSAOUT @2023. All Rights Reserved.