بقلم المصطفى لحميدي
ليست أخطر الأزمات تلك التي تصيب الاقتصاد أو تعطل التنمية، فهذه، على قسوتها، يمكن إصلاحها بالإرادة والكفاءة. أما حين تصاب السياسة نفسها بالعطب، فالأمر يتجاوز حدود الأزمة ليصبح خللًا في وعي المجتمع، وارتباكًا في قدرته على صناعة مستقبله.
ما نعيشه اليوم ليس مجرد تراجع في الأداء السياسي، بل تراجع في قيمة السياسة ذاتها. لقد فقدت السياسة كثيرًا من معناها النبيل؛ لم تعد فضاءً للأفكار الكبرى، ولا ميدانًا للتخطيط البعيد، ولا مدرسة لإنتاج القيادات. أصبحت، في كثير من الأحيان، مسرحًا للصخب، وسوقًا للمزايدات، ومنصةً يتنافس فيها الجميع على لفت الانتباه، لا على تقديم الحلول.
وحين تتحول السياسة إلى مجرد عرض يومي، يصبح التصفيق أهم من التفكير، والشعار أعلى صوتًا من الحقيقة، والانفعال أسرع انتشارًا من العقل. عندها لا يعود السؤال:
من يملك المشروع؟ بل: من يملك القدرة على إثارة الضجيج؟ولعل ما يبعث على القلق أكثر من كل ذلك، هو أن هذا الانحدار لم تفرضه الجماهير وحدها، بل ساهمت فيه النخب نفسها.
فالنخبة التي يفترض أن تقود المجتمع، وأن ترفع مستوى النقاش، وأن تدافع عن قيمة الفكرة، اختارت في حالات كثيرة الطريق الأسهل؛ انساقت وراء المزاج العام بدل أن تصنعه، ولاحقت الشعبية بدل أن تؤسس للمشروعية، وفضلت المكسب العاجل على البناء الطويل.
وحين تتخلى النخبة عن دورها، لا يبقى الفراغ فارغًا، بل تملؤه التفاهة سريعًا. فالتفاهة لا تنتصر لأنها أكثر إقناعًا، وإنما لأنها تجد الفكر غائبًا، والمؤسسات ضعيفة، والنخب مستسلمة.
إنها تزدهر كلما تراجع العقل، وتتمدد كلما انكمشت المسؤولية.لهذا لم يعد غريبًا أن تتحول بعض الأحزاب، التي كانت يومًا مدارس للفكر والسياسة، إلى هياكل لا يشغلها سوى تدبير المواقع، وحسابات الانتخابات، وتقاسم النفوذ. ولم يعد مستغربًا أن يتراجع النقاش حول البرامج ليحل محله الجدل حول الأشخاص، وأن تصبح السياسة أقرب إلى منافسة على الظهور منها إلى منافسة في خدمة الصالح العام.
إن أخطر ما في التفاهة أنها لا تُقصي الكفاءات فحسب، بل تعيد تعريف النجاح نفسه. في زمنها، يصبح الظهور أهم من الإنجاز، والشهرة أهم من الكفاءة، والولاء أهم من الاستحقاق، والقدرة على صناعة الجدل أهم من القدرة على صناعة الحلول.
وهنا تبدأ السياسة في فقدان رسالتها، وتتحول من مشروع لبناء المستقبل إلى إدارة يومية للأزمات.وحين يغيب المشروع، يحضر الارتجال. وحين تموت المبادئ، تصبح المصلحة الفردية هي القانون غير المعلن للحياة العامة. وعندما تفقد السياسة بعدها الأخلاقي، لا يبقى بينها وبين التجارة إلا اختلاف الأسماء، ولا بينها وبين الفرجة إلا اختلاف المنصة.
إن الأمم لا تنهار لأنها تواجه الأزمات؛ فالأزمات جزء من تاريخ كل الشعوب. لكنها تنهار حين تعجز عن إنتاج نخبة تمتلك الشجاعة الأخلاقية، والرؤية الفكرية، والقدرة على تقديم البدائل.
فالدول لا يحميها الضجيج، ولا تبنيها الشعارات، وإنما يبنيها رجال دولة يؤمنون بأن السياسة مسؤولية قبل أن تكون سلطة، ورسالة قبل أن تكون مهنة.إن الخطر الحقيقي ليس في صعود التفاهة، بل في اعتيادها، وفي قبولها باعتبارها الوجه الطبيعي للعمل السياسي. فحين يصبح العبث قاعدة، ويغدو الاستثناء هو الفكر والكفاءة، نكون قد دخلنا مرحلة لا تُهدد السياسة وحدها، بل تُهدد الدولة والمجتمع معًا.
لهذا فإن معركة اليوم ليست انتخابية ولا حزبية، بل معركة من أجل إنقاذ المعنى. إنها معركة لاستعادة السياسة من قبضة التفاهة، وإعادة الاعتبار للفكرة، وللأخلاق، وللكفاءة، قبل أن يصبح المستقبل هو الضحية الأخيرة لانهيار الحاضر.

