✍️ صالح رشيد
مع اقتراب نهاية كل موسم دراسي، تتجه الأنظار نحو حفلات ختام السنة التي يُفترض أن تكون محطة تربوية بامتياز، يُحتفى فيها بقطف ثمار الجهد والتحصيل العلمي. لكن المتأمل في المشهد الحالي للعديد من مؤسساتنا التعليمية، يُصاب بخيبة أمل عميقة؛ فقد انسخلت هذه الحفلات من هويتها التربوية لتتحول إلى ما يشبه “المسارخ” أو الملاهي الاستعراضية. مشهد بات مألوفاً ومخجلاً في آنٍ واحد: تلميذات وتلاميذ في عمر الزهور يتمايلون على أنغام أغانٍ أجنبية صاخبة، قد لا يفقهون من كلماتها شيئاً، في حركات راقصة لا تتناسب مع براءتهم، وسط تصفيق الحاضرين.
بصفتنا معنيين بالشأن التربوي، لا يمكننا المرور مرور الكرام على هذا العبث. إن تفكيك هذا المشهد يستدعي قراءة نقدية لاذعة للرسائل الكارثية التي تمررها هذه الممارسات، مع ضرورة طرح البديل الذي يعيد للمدرسة هيبتها وجوهرها.
الإفلاس التربوي وتسليع المدرسة عندما تختار مدرسة ما أن تتوج عاماً كاملاً من بناء العقول بعروض رقص سطحية، فهي تعلن، بوعي أو بدونه، عن حالة من الإفلاس التربوي المدقع. هذه السلوكيات تحمل في طياتها رسائل خطيرة تضرب في صميم العملية التعليمية:
• التسويق التجاري على حساب التربية:
لم تعد بعض المدارس تنظر لنفسها كمحاضن للتربية، بل كـ “مقاولات” تجارية تسعى لإرضاء أولياء الأمور بعروض بصرية مبهرة ومزيفة. الرقص والموسيقى الصاخبة هما أقصر الطرق لصنع هذا الإبهار، وتسويق وهم “الانفتاح” و”العصرنة”.
• تسطيح مفهوم النجاح:
الرسالة الموجهة للطفل هنا خطيرة جداً؛ إذ يتم إفهامه بأن التفوق والتميز لا يُحتفى بهما من خلال الفكر أو الإبداع العقلي، بل من خلال الاستعراض الجسدي. نحن بذلك نساهم في تنشئة جيل يربط الإنجاز بالسطحية.
• الاستلاب الثقافي: إجبار الأطفال على تقليد حركات راقصة لثقافات أجنبية، غالباً ما تحمل إيحاءات لا تليق بأعمارهم، يزرع فيهم دونية ثقافية، حيث يُقدم كل ما هو أجنبي وصاخب على أنه “النموذج الأرقى”.
اغتيال البراءة وهدر الزمن المدرسيإن أخطر ما في هذه الظاهرة هو التعدي الصارخ على الطفولة. يتم استغلال هؤلاء الصغار كـ “دمى” لتحقيق متعة بصرية للكبار، بدلاً من الارتقاء بذوقهم الفني والأخلاقي.
وما يزيد الطين بلة هو هدر الزمن التربوي؛ فأسابيع طويلة تُقتطع من وقت التحصيل العلمي لتدريب الأطفال على هذه الرقصات.
المعلم، الذي يُفترض أن يكون موجهاً ومكتشفاً لمواهب الطفل الفكرية، يتحول قسراً إلى “مصمم رقصات” رديء. إن اللجوء إلى تشغيل مقطع صوتي جاهز وتلقين الأطفال حركات آلية هو أقصى درجات الكسل الإداري، ودليل قاطع على عجز الطاقم التربوي عن ابتكار أنشطة تتطلب جهداً إبداعياً حقيقياً.
البدائل التربوية:
العودة إلى جوهر المدرسةالمدرسة ليست فرقة استعراضية، بل هي منارة لبناء الإنسان. إن الخروج من هذا المأزق يتطلب العودة إلى الأنشطة الموازية التي تحترم عقل الطفل وتصقل شخصيته، ومن أبرز هذه البدائل:
1. المسرح المدرسي الهادف بدلاً من الرقص العشوائي، يمكن توظيف طاقات الأطفال في مسرحيات تاريخية، اجتماعية، أو كوميدية هادفة. المسرح يُعلم الطفل مواجهة الجمهور، والنطق السليم، والعمل الجماعي، ويبني ثقته بنفسه.
2. فنون الإلقاء والشعر والخطابة تدريب التلاميذ على إلقاء قصائد تتغنى بالنجاح، والوطن، والأخلاق، أو تقديم خطب مصغرة. هذا البديل ينمي الرصيد اللغوي للطفل ويصقل شخصيته القيادية بشكل يعكس مستواه التعليمي الحقيقي.
3. معارض الابتكار والمشاريعيمكن تحويل حفل نهاية السنة إلى “معرض مفتوح” يعرض فيه الأطفال إنجازاتهم السنوية؛ كتجارب علمية مبسطة، لوحات فنية رسموها، قصص ألفوها، أو مشاريع بيئية شاركوا فيها، مما يبرز تفوقهم الفعلي.
4. الكورال والموسيقى الراقية:
إذا كان لا بد من الحضور الموسيقي، فليكن عبر “الكورال المدرسي”. تدريب الأطفال على أداء أناشيد جماعية راقية بكلمات ذات مغزى، أو العزف على آلات موسيقية حقيقية، يساهم في تهذيب الذوق الفني بعيداً عن الابتذال.
5. الفنون التراثية الأصيلة:
لتلبية حاجة الطفل الحركية، يمكن دمج لوحات فلكلورية وشعبية تعرّف التلميذ بتراث وطنه المتنوع، بطريقة مدروسة تعزز هويته وانتماءه بعيداً عن الاستلاب الخارجي.
ختاما يمكن القول أن إصلاح هذا الاعوجاج لا يقع على عاتق المدارس وحدها، بل يبدأ من وعي أولياء الأمور. إن رفضهم لهذه العروض السطحية، ومطالبتهم بحفلات تليق بقدسية التعليم وتبرز العقل والفن الراقي، هو الكفيل بإجبار هذه المؤسسات على التخلي عن كسلها التربوي.
لقد حان الوقت لنعيد للمدرسة بوصلتها الحقيقية: بناء العقول، لا هز الأبدان.
