بقلم:ذ. عبد الرحمان سوسو
لم يعد الحديث عن غلاء أضحية العيد مجرد نقاش موسمي عابر، بل أصبح جرحا اجتماعيا مفتوحا ينزف ألما وحيرة داخل آلاف الأسر البسيطة التي وجدت نفسها هذه السنة أمام واقع قاسٍ ومؤلم.
واقع حوّل مناسبة دينية وروحية عظيمة، طالما ارتبطت بالفرح والتآزر وصلة الرحم، إلى مصدر قلق واختناق نفسي وحسرة صامتة داخل البيوت.
لقد صار المواطن البسيط يعيش حالة ارتباك حقيقية أمام الارتفاع الصاروخي للأسعار، حيث تجاوز ثمن الأضحية قدرة فئات واسعة من الأسر التي أنهكتها أصلا موجة الغلاء المتواصلة في المواد الأساسية ومتطلبات الحياة اليومية.
فبين مصاريف الكراء، وفواتير الماء والكهرباء، وتكاليف الدراسة، وارتفاع أسعار الغذاء، وجد الكثير من الآباء أنفسهم عاجزين عن تحقيق حلم بسيط لأبنائهم: إدخال فرحة العيد إلى قلوبهم.
إن المشهد اليوم مؤلم بكل المقاييس. آباء يطوفون الأسواق بعيون مثقلة بالحيرة، وأمهات يخفين قلقهن خلف كلمات الصبر، وأطفال ينتظرون كبش العيد كما اعتادوا كل سنة، دون أن يدركوا حجم المعاناة التي يعيشها آباؤهم في صمت.
إنها لحظة تختلط فيها الدموع بالعجز، ويصبح فيها السؤال موجعا: كيف تحولت شعيرة دينية قائمة على الرحمة والتوسعة إلى عبء ثقيل يكسر قلوب البسطاء؟إن ما نعيشه اليوم يدق فعلا ناقوس الخطر، لأن الأمر لم يعد مرتبطا فقط بارتفاع الأسعار، بل بما يخلّفه هذا الوضع من آثار نفسية واجتماعية عميقة داخل المجتمع.
فالإحساس بالعجز أمام الأبناء قاسٍ على كل أب، والشعور بعدم القدرة على مسايرة متطلبات العيد يزرع ألما داخليا لا تصفه الكلمات.ولعل الأخطر من ذلك، هو اتساع الفجوة بين فئات المجتمع، حيث أصبح العيد عند البعض مناسبة للفرح والوفرة، بينما تحول عند آخرين إلى موسم للاستدانة أو الانكسار أو الإحراج الاجتماعي. وهذا وضع يستوجب وقفة تأمل حقيقية، لأن المجتمعات لا تُقاس فقط بحجم الأسواق، بل بقدرتها على حماية كرامة مواطنيها وصون توازنهم النفسي والاجتماعي.
إن الحاجة اليوم أصبحت ملحة إلى ترسيخ قيم التضامن والتكافل والتراحم بين الناس، وإلى إطلاق مبادرات اجتماعية حقيقية تخفف العبء عن الأسر الهشة، حتى لا يبقى العيد حكرا على القادرين فقط. كما أن المطلوب هو استحضار البعد الديني الحقيقي لهذه الشعيرة، القائم على الرحمة والتيسير، بعيدا عن مظاهر التباهي والضغط الاجتماعي الذي يضاعف معاناة البسطاء.
ورغم كل هذا الألم، يبقى الأمل قائما في وعي جماعي يعيد للعيد معناه الإنساني النبيل، باعتباره مناسبة للمحبة والتآزر والرحمة، لا موسما للحزن والانكسار.فالعيد الحقيقي ليس في ثمن الأضحية، بل في حفظ كرامة الإنسان، وفي دفء الأسرة، وفي رحمة القلوب ببعضها البعض.
